‏إظهار الرسائل ذات التسميات رؤى النفس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رؤى النفس. إظهار كافة الرسائل

النفاق العلماني.. لا تشتروا كتبهم

أبهى وازهى وأعلى صور النفاق.. هو عندما يكتب الكاتب المرموق الشهير الشلولخ رواية.. شخصيته الرئيسة فيها طبيب.. في كابول.. يتألم هذا الطبيب من رجم زانية على فعلتها.. ويُظهر بذلك وحشيّة الإسلام وقسوة المسلمين وضيق الدّين والُمتديّن..

وفي نفس الوقت.. ينسى أو يتناسى أنّ الرواية تجري أحداثها في أفغانستان.. أفغانستان المحتلّة من الأمريكان.. الذين يدعمون حريّة التّعبير والفنّ والأدب ويتولّون الدّعاية لروايتك وروايات الكتاب المنحطين أمثالك..

لماذا أقول أنت منحط؟ وهل هذا سباب؟.. أبدا! إنّها حقيقة بل وأقلّ من الحقيقة بكثير..

أنت شبه كاتب منحطّ.. لأنّك عندما نختار أفغانستان مكانا لروايتك.. وتصوّر لنا بطل الرّواية مرهف الحسّ متأثّرا لزانية.. ولا يرمش له جفن من قنبلة أمريكية تقتل عشرات الأطفال في مدرسة، أو من حاوية كُدّس فيها الأسرى حتى ماتوا اختناقا، أو من نساء اغتصبن من الجنود الأمريكان والبريطانيين وعملائهم من الخونة الملحدين..

عندما تقدّم لنا المشكلة الأفغانية على أنّها حدّ زنا لا أكثر ولا أقلّ، فأنت منحطّ.. وكذلك من يقرأ لك ويروج لسُمّك الفكري المنحطّ..

لا تشتروا روايات هؤلاء المنحطّين.. فسوف تُسؤلون يوم القيامة عن هذه الدّنانير المبذولة ولحظات القراءة المشؤومة..

نفسك التي بين جنبيك

أقسى المعارك وأضراها وأشرسها هي المعارك التي تخوضها مع نفسك.. فالعدوّ البائن الخارجيّ قد ينال منك ما ينال، ثمّ تختلي بنفسك فتجد راحة وعزّة وأنفة تنسيك ما لقيت وتنزل عليك سكينة وطمانينة تغيظ عدوّك وتزلزل أركانه..

أمّا نفسك الّتي بين جنبيك، الأمّارة بالسّوء.. فهي تقضّ مضجعك ولا تريك من حالك إلّا ما يسوءك.. تغريك بالمعاصي والآثام.. فإن تعفّفت هاجت وطغت.. وإن طاوعتها ألحقتك النّدامة والخسران وأغرتك بما هو أسوء وأشرّ وأطغى..

وفي هذا ما لقيت دواءا خيرا من دعاء الرّسول الكريم صلّى الله عليه وسلم: "لا تكلني إلى نفسي طرفة عين".. أي مقال أبلغ عن خطورة النّفس وشرّها خير من هذا الدّعاء.. إنّ الرّسول الأمين صلّى الله عليه وسلّم وهو أخبر النّاس بالنّفس وأحوالها.. وأعلم النّاس بالصّلاح والفساد والنّجاة والخسران، يسأل الله ألّا يكله إلى نفسه طرفة عين.. وما أدراك ما طرفة عين.. طرفة عين بينك وبين نفسك كفيلة بأن تحبط أعمالك وترديك المهالك..

إنّه لدعاء خطير.. طرفة عين بين المرء ونفسه تفتح أبواب جهنم.. طرفة عين بينك وبين نفسك يتعوّذ منها خير الأنام المعصوم نبيّ الرّحمة.. طرفة عين لم يتعوذّ منها النّبي لأنّها بينه وبين الشّيطان بل بينه وبين نفسه.. فالشّيطان وإن كان يجري من ابن آدم مجرى الدّم، إلّا أنّه عدو خارجي، نتحصّن منه بالدّعاء والذّكر والصّلاة والطّاعات.. أمّا النفس فتغريك وأنت في ذكرك ودعائك وصلاتك وطاعتك.. ولا أعلم لها حصنا غير دعاء الرّسول صلى الله عليه وسلم وعصمة الله جلّ جلاله -ولا أقصد العصمة العقديّة الّتي لا نقرها لغير الأنبياء- التي يعطيها عباده الصّالحين..

اللّهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين..

للوقاحة عنوان..

إنّ من الابتلاءات التي تُكتب على العباد عبادٌ أمثالهم.. يحسبون أنّ العباد عبادُهم وليسوا عبادَ الله.. خُلقوا ليخدموهم.. تراهم كسالى يراؤون النّاس ولا يشتغلون إلاّ بإبداء الآراء ونقد الأفعال والأقوال والتّصدّر للقيادة والزّعامة ووجاهة المجالس.. وفي ميدان الجهد والكدّ والبذل، فهم خُشُب مسنّدة ولا تكاد تسمع لأحد منهم ركزا..
وهؤلاء البلاوي (من البلوى!) تراهم يسارعون عند الزّلل إلى دفع الزّلل لا بالإصلاح والتّقويم، بل بِرَدِّ المسؤولية على الآخرين واتهام الكلّ عداهم وحبّذا لو كان العامل المجتهد النّشيط؟!.. فهم العُمّال وغيرهم عُطّال.. وهم الرُّشداء وغيرهم الأغِرَّاء.. وهم المظلومون من النّاس وغيرهم الظّلمة الفجرة الكفرة..
إذا ابتلاك الله بأحد من هؤلاء في أهلك أو شغلك أو جيرتك.. فاعلم أنّه تبارك وتعالى قد امتحنك في الدّنيا.. وهو من عظيم البلوى والعياذ بالله.. وعليك بالفرار بدينك ودنياك منه.. لأنّك إذا لم تتخلّص من صُحبته، فلا أمان لك من الفتنة.. فتركه مفسدة، والسّكوت عنه إدانة،  وجوابه منقصة، ومقارعته دناءة وقلة مروءة.. فلن تسلم منه وأنت في جواره أبدا..
ذلك أنّ شعاره في هذه الدنيا.. أنّه للوقاحة عنوان.. 

الموت.. بين الانتظار والعمل ؟

 هذه رسالة بسيطة لمن ينتظر الموت، سواء كان بمظنّة قريبة كحال مريض نسأل الله له الشّفاء العاجل أو المحكوم مثلا.. أو من ابتلي بوسواس وخواطر من الشّيطان تنغّص عليه حياته ومعيشته ونسأل الله له الرّاحة والسّكينة وطمأنينة الرّوح والقلب في الطّاعة والعمل الصّالح..

إنّ انتظار الموت لا يغني من القدر شيئا.. فالموت نافذ عندما يحين الأجل إن الآن أو غدا أو بعد بضع سنين.. فالتّفكير فيه وانتظاره لا يطوي الزّمن ولا يُوقفه.. وكما قال المحقّقون "تصوّرنا لا يغيّر حقائق الأشياء".. وفقهاؤنا ينهوننا دوما عن الانشغال بما لا ينبني عليه عمل ولا نتيجة لإنّه من اللّهو المذموم..

فكّر في الموت بسطحيّة أو بعمق..!! اقض لياليك وأيّامك في تصوّر موتك وتَخَيُّلِ هلاكك والتّبحّر في كيفه وحينه وما بعده وما قبله.. هل سيغيّر ذلك من واقع الأمر شيء؟ هل ستدفعه حين يأتي أو تستعجله قبل أوانه ؟ أقولها لك وبدون تردّد.. لن يغيّر التّفكير في الموت من الموت شيئا.. لكنّه سيغير أشياءا أخرى أهمّ وأعظم..!

هذا التّفكير سيأكل عمرك ويحطّم أيّامك ويجعل حياتك في هذه الدّنيا جحيما.. ويعرّضك للمساءلة يوم القيامة على نعمة الوقت الّتي أفنيتها في غير منفعة ولا فائدة.. لن تدفع الموت ولن تستعجله، لكنّك ستكون بحكم الميّت وأنت بين الأحياء.. وستجعل فضاءك في هذه الدّنيا فارغا وأنت تشغله.. سترى النّاس من حولك يعملون ويعمرون هذه الدّنيا وأنت عالة عليهم وعليها.. سترى عمرك ينفلت من بين يديك وأنت لم تقدّم لك أو لغيرك شيئا فتزداد حسرة وأسى.. ولن تغيّر من الأمر شيئا..

لا تنتظر الموت.. بل اعمل لما بعده وأطع ربّك وأصلح دنياك وآخرتك.. انهض من غفلتك ومنامك.. فالنّاس نيام وإذا ماتوا استيقظوا.. فاستيقظ من الآن، ليس بالموت ولكن بالعمل لما بعده..

ولا تُسَوِّف فالوقت لا يتوقّف عند أحد..

فلسطين الأرض وفلسطين الكلمة

سألني أحدهم مستهزءا مستنكرا: تريد أن تحرّر فلسطين؟ وعينه على الواقع التّعيس الذي نحن فيه من الضّعف والهوان في أنفسنا ومجتمعنا ودولنا..
والحقيقة أنّ سائلي لم يفقه من الأمر شيئا..!
فنحن عندما نتشارك أخبار فلسطين، وخريطتها من البحر إلى النّهر، وإسمها وعلمها.. نعلم أنّنا في عصر ضعف لا قوّة، ونعلم أنّ من بني جلدتنا من باعها قبل أن يبيعها أعداؤها.. لسنا عن ذلك غافلون..
إنّ تحرير فلسطين الأرض علمه عند ربّي.. ييسّر له الأسباب والرّجال..
كلّ ما نخشاه اليوم أن تضيع فلسطين الكلمة كما ضاعت فلسطين الأرض، لذلك فنحن نذوذ عن الكلمة ونحميها ونبثّها في أبنائنا ونحفرها في الصّخر والشّجر والحجر.. ونحفرها قبل ذلك في وجدان العدوّ قبل الصّديق..
فنحن نحافظ على فلسطين الكلمة حتّى إذا جاء وعد الله، أخرجها الرّجال من النّقش والرّسم إلى همم الأبطال وضربات الجحافل..

فلسطين من النهر إلى البحر
الصورة من صفحة (Aek Palestine) على الفايسبوك

عن التكيف مرة أخرى؟!

عندما حلّت كورونا جديدة علينا، أُغلقت الحانات والملاهي.. وحتّى المقاهي.. وتُبنا إلى الله.. وجرت الدّموع وتحسّرت القلوب لإغلاق المساجد ولسماع صوت المؤذّن "صلّوا في بيوتكم".. وهرعنا إلى بيوتنا نُوصدها.. وارتدينا اللّثام وطهّرنا بيوتنا ولباسنا في اليوم آلاف المرّات حتى تبدّل جلدنا من كثرة الجافيل والكحول..
ومع مرور الزّمن.. واستمرار الوباء.. فُتحت الملاهي والحانات سرّا.. والمقاهي جهرا.. وتركنا بيوتنا وتحلّقنا في الشّوارع وعلى أبواب المساجد المغلقة تحت أصوات الأذان وفي ظلّ قول المؤذن "صلّوا في بيوتكم" التي صرنا لا نسمعها لعُلُوّ قهقهاتنا وضحكاتنا فلا الدّموع تجري ولا القلوب تتحسر.. وتركنا اللّثام وعزفنا عن غسل أيدينا حتى بالماء المطلق..
كلّ هذا والوباء نفسه بل هو أشدّ، والوفيات تدخل كلّ يوم بيت جديد.. فالحالة تشتدّ، ولكنّ الحرص يكاد ينعدم..
إنّه التّكيّف مرّة أخرى.. فالإنسان يثبت لنفسه مرّة أخرى أنّه كائن متكيّف بامتياز.. حتّى مع الوباء والموت..
ولكنّ التّكيّف هذه المرّة تكيّف مرضيّ، تكيّف ليس من أجل البقاء.. بل هو تكيّف كأنّه السُّكر، تكيّف فيه إقبال على الموت.. أو قل معانقة وخضوع له، وهرولة نحو العذاب..
وحالنا في هذا حال من جاءه العذاب وهو يقول.. هذا عارض ممطرنا..!!!
نسأل الله الشفاء للمرضى والعافية والمعافاة للأصحاء..

امتحان القطيع

ممّا أبانت عليه جائحة كورونا لدى كل البشر، أنّنا ممتحنون.. وسواء صدّقنا بهذا الامتحان وأذعنّا له كما هو حال المومنين الصّادقين.. أو كفرنا به كما هو حال الملحدين الضّالّين.. فإنّ الامتحان قائم ومتجدّد ما دمنا أحياء، ومن هذا الامتحان: هذه الجائحة..
وهذا الامتحان له بعدان.. فهو في بعده الجزائيّ فردي، فنحن نُبعث فرادى، ونُحاسب فرادى، ونُجازى فرادى.. وهو في بعده الإجرائيّ جماعيّ، فنحن ممتحنون ضمن محيطنا العائلي والمجتمعي والعالمي..
وهذان البعدان في الامتحان قد أشكلا على كثير من النّاس، فاختلط الأمر عليهم ومنهم من راح يخلط بينهما..
فقد جعل أقوام البعد الجماعيّ على أنه جزائيّ، فراح يميز الحقّ من الباطل بما يُقِرُّّهُ القطيع، وأقول القطيع لا الجماعة، لأنّ الجماعة لها عقل جمعيّ يخاطب العقل الفرديّ بما يمكن أن يصحّح الوضع أحيانا! أمّا القطيع، فهو يخاطب غريزة الانقياد والاتّباع ولزوم الأكثريّة بعيدا عن الحجج والبراهين.. فالنّاس هنا يتقبّلون الوباء أو يرفضونه تبعا لإعلام الشّارع ونزوات العامّة في رفض الحجر وحبّ التّلاحم ونبذ كل أسباب التّباعد والحواجز.. وإذا حاولت إقناع أيّ واحد هنا، فإن الجواب جاهز.. الكلّ يفعل ذلك، وكأنّه يقول.. لن أحاسب على فعلي لأنّه متناغم مع أفعال القطيع..
وهنا يكمن سرّ الفشل في البلدان المتخلّفة عند الحديث عن كورونا.. فمواجهة الجائحة تُركت للقطيع بعيدا عن العقل الجمعيّ للمجتمع والدّولة.. هذا العقل الذي تمثله النّخبة بمؤسّساتها وروافدها الغائبة عن المشهد غيابا اعتباريّا وحقيقيّا أحيانا.. فنحن نرى السّلطات بأنواعها المتعدّدة وحتّى الدّينيّة منها تقرّر الإجراءات بما يهوى القطيع ويحقّق لها الجماهيريّة الشّعبويّة بدل الاستناد إلى رأي العلم والعقل والتجربة والمنطق.. ونجد لغة الخشب هي السّائدة، ونجد الكرة متروكة في مرمى القطيع إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.. والنّتيجة الطّبيعية هي أنّه لا يفعل! والمسؤولية هنا ضائعة.. فالسّلطة ترمي بالمسؤوليّة على القطيع، والقطيع لا ذمّة له لأنّ وجوده اعتباريّ لا محدّد له..
وإذا ضاعت المسؤوليّة ضاع الجزاء.. 

الركود والجمود... الرقاد وبيع البلاد

إنّ من أُولى أبجديّات أيّ علم أو فنّ أو ثقافة عدم الجمود وعدم الرّكود والتّحرك.. ذلك أنّ الوقوف معناه التّأخر لأن الآخرين لا يتوقّفون بل يُواصلون مسيرهم، ومتى توقّف الجميع، فاعلم أنّها السّاعة وفناء الدّنيا..
وإذا أسقطنا هذا على مجتمعنا نجد أنّ ما نعيشه هذه الأيّام من تناحر فكري وعاطفي ولفظي مردُّهُ إلى الجمود والرّكود الذي نسّميه عندنا "الرّقاد وبيع البلاد"..
فلو أنّنا طوّرنا لغتنا العربية واستعملناها في علومنا وتَعَلُّمِنا، وعلّمناها أولادنا، وغنّينا بها حتى!.. لما تجرّأ الحثالة على سبّها ونعتها بالتّخلف وربطها بالعرق والجنس وربطها ببلادٍ ليس لها حظّ منها إلاّ كما لنا أو أقل..
ولو أنّنا أولينا ديننا الأولوية في التّربية والدّعوة واقتحام ميادين العلمانيين والملحدين والتّعريف به بدل التقوقع خلف عباءات نظيفة أنيقة على كراسي المساجد المزخرفة والمكيّفة وخلف كاميرات عالية الدّقة لما تجرّأ السّفلة والسّفهاء على سبّ الدّين ونعت الحجّ بالوثنية..
ولو أنّنا أعطينا تراثنا حقّه وحقّقنا تاريخنا وهيّئنا معالمنا وعرّفنا بها العالم وابتعدنا عن ربط الأمازيغيّة بكلّ الخرافات والأساطير والنّظريّات "الخُنفُشَارِيَّة" الّتي ما أنزل الله بها من سلطان لما تجرّأ الجهلة على ركوب موجة المستدمر الفرنسي بإنكار التّواجد البشري في هذه الأرض منذ التّاريخ القديم..
ولأنّنا لا ننتج شيئا ولا نتقدّم قيد أنملة نحو المستقبل، لا همّ لنا إلاّ البحث في الخرافات والأساطير وضعيف الأقوال في الدّين واللّغة والتاّريخ لنَلُوكَهُ بألسنتنا عندما نُفيق من سباتنا بين الفينة والأخرى.. على أنّ هذا الفواق ليس للعمل لا سمح الله!.. بل هو إمّا للأكل أو للاستفراغ...

سيأتي عليك زمان..


سيأتي عليك زمان ترى فيه دنياك وقد تبدّلت وتحوّلت وصارت غير الدّنيا.. ستذكر عمًّا أو خَالًا أو عمّة أو خالة كنت تتحاشى لقياهم وتتكاسل عن  زيارتهم وتتأفّف من قدومهم إليكم.. ستذكر إخوانا وأخوات كنت تقاطعهم وتهجرهم وتشكوهم إلى القريب والبعيد.. ستذكر أبناءًا كنت شديد الغضب منهم وتتمنّى لو لم تُنجبهم.. ستذكر أبا أو أمّا كنت تنهرهم وتتضجّر منهم ومن كلامهم وفُضولهم وحبهم لك.. 
سياتي زمان.. وقد رحل من هؤلاء من رحل.. إمّا لدار الخلد أو لمنازل أخرى في هذه الدّنيا.. وقد بَدَّلُوا دارك بأخرى وألِفُوا أحباباً غيرك..
سيأتي زمان لن تنفعك صورة لهم تضعها هنا أو هناك.. ولن تنفعك رنَة هاتف بصوت هذا أو ذاك..
لن يبقى لك من دنياك إلّا أطياف..
عندها ستذكر الأجساد وتقول يا ليتني ما قُلت ولا فَعلت.. يا ليتني أدَّيت ووفّيت..
عش دنياك مع الأحباب.. قبل أن يصيروا أطيافا وذكريات..

الذبابة والثور والحرث

إنّ من بني جلدتنا مَن حالُه كحال الذّبابة التّي وقفت على قرن ثور عند الفجر وقد جاء صاحبه ليخرج به لحرث الحقل.. وقُبيل الغروب، عاد الثّور إلى الحظيرة وعلى قرنه ذات الذّبابة.. وعندما سألتها صويحباتها عن سبب غيابها طول النّهار.. قالت نافشة روحها مُتَشَنكِحَةً مُتَفَرعِنَةً.. كنّا نحرث الحقل؟!.. ولصغر حجم عقول الذّباب.. رأين غبار الأرض عليها فصدّقنها وعاشت بلقب "الذّبابة حارثة الحقل"..!..!.!
والحقيقة أنّ هذه الذّبابة لم تحرّك ذرّة تراب في الحقل!.. والثّور لم يشعر بوقوفها على قرنه ولن يعلم يوما بوجودها.. أمّا الفلّاح فهو لا يُقِرُّ للثّور أصلا بأي فضل في حرث الأرض فكيف يقيم للذّبابة وزنا..
هكذا حال بعضنا للأسف.. تتجاوزه الأحداث وهو واقف عندها.. فيقول فعلت كذا وسَوَّيتُ كذا وقُمتُ بكذا.. وهوليس سوى ذبابة على قرن ثور..

المعذبون بالنّوم

كثيرا ما أتسائل عن فائدة الاستيقاظ مبكّرا؟ ولماذا ننهض باكرا؟ ويا ليتني أقع على من جعل الدّوام على السّاعة الثّامنة صباحا لكي أستفسر منه عن هذا المنكر العظيم الذي افتراه علينا وعلى من هو مثلنا!! لماذا لم يجعله مثلا على العاشرة أو بعد الزّوال مثلا؟؟!
المشكلة أنّه وبعد عناء طويل، وطويل جدا!! وبعد أن تستيقظ باكرا، وتتوجّه للمؤسّسة من أجل التّدريس، وتخوض في ظلام دامس في الطّرقات وفي أضواء السّيارات حتّى تصل إلى قاعة التّدريس.. عندها تجد القاعة مغلقة.. وعندما تسأل عن السّبب.. تجد أن الموظّف أو عون الأمن يأتي متأخّرا دائما.. تذهب للمسؤول فلا تجده في مكتبه، لأنّ المسؤول لا يأتي إلاّ بعد التّاسعة..
تنتظر صاحب المفاتيح لقرابة العشرين دقيقة بعد الثّامنة.. تدخل القاعة مع طلبتك نصف ساعة بعد الثّامنة.. تُشغّل الأجهزة وتمسح السّبورة وتقيّد الحضور.. وتبدأ محاضرتك أو حصّتك على الأقلّ أربعين دقيقة بعد الثّامنة.. هي قرابة نصف الحصّة قد طارت في شخير أحدهم! تحاول جاهدا أن تسرع لكن دون جدوى، ثم تسرق خمس أو عشر دقائق من الحصّة الموالية لزميل لك.. ويتراكم التّأخير والنّقص من حصّة إلى حصّة.. وصاحب الحصّة الأخيرة غالبا ما يُطرَدُ من نفس صاحب المفاتيح وعينه الذي جاء متأخّرا في الحصّة الأولى! قائلا بكل وقاحة: لستُ مسؤولا عن تأخُّرك حتّى تحجزني معك هنا بعد الدّوام..!!!
والمسؤول عن ذلك ليست السّكرتيرة أو صاحب المفاتيح ولا المسؤول.. فهم المساكين كيف لهم أن يستيقظوا باكرا وهم أرباب أسر ويسكنون بعيدا والنّقل شحيح والجوّ بارد والظلام دامس ولون السّماء أزرق والشّمس قرص أصفر!!!
إنّه أنت الأستاذ السيئ الوقح صاحب الملايين في مرتّبك.. أنت الذي لا تؤدّي دورك وتسرق من وقت الطّلبة.. أنت الملوم من الطالب والمسؤول وحامل المفاتيح ونافخ الكير والمواطن والوطن.. ولا تسألني لماذا.. فلو كنت صالحا لما كنت أستاذا..
دعونا ننام قليلا.. ورجاءا.. أطفؤوا الأنوار وأنتم راحلون..

الأكبر والأوسع والأضخم !!!

ليس بالحجم ولا بالعدد! متى نتعلّم أنّ الجوهَر أهمّ من العَرَض.. أكبر جامع في العالم بعد الحرمين، وأكبر جامعة في القارّة وأكبر ملعب في البلاد.. ومع كلّ هذا، أكبر حماقات في التّاريخ وأكبر خيبة في القارّة وأكبر هَبَلٍ في الوجود!! أن تبني العمارات والبنايات والملاعب ليس تحدّ في وقتنا الحاضر، فلن تُنافس برج خليفة أو ملعب الدّوحة أو المسجد الحرام.. وإذا أردت فيكفيك التّوجه إلى كبرى شركات الإعمار لتبني لك ما تشاء وأين تشاء..عليك بأكياس الذهب وفقط! ولكنّ التّحدي الكبير الذي فشلنا فيه هو بناء الإنسان.. فما جدوى أن يبني لك اليابانيّون والبرازيليّون جامعات ضخمة بوسائل هائلة إذا كان إنسانُك الذي سيدرُس فيها سيُحطّمها ويكسر أبوابها ويُشوّه منظرها.. وإنسانُك الذي وَكَّلتَه لكي يصونها ويحفظها سيعيث فيها فسادا وإفسادا كالقرد السّكران في مزرعة الموز.. بترقيعات وتحويرات وسدّ للأبواب والنوافذ وحفر في السّاحات والقاعات والمدرّجات.. 
وبعد كلّ هذا، لا زلنا نُبذِّر الحديد والإسمنت والآجر لبناء تحف معماريّة مشوّهة قبل أن تُسَلَّمَ حتّى بسبب الغش والاختلاس والذّوق البشع.. ويزيدها السّاكن والعامل والطّالب تشويها بالتفعيص والتعفيس والفتح والغلق والطلاء والحديد..
ليست العبرة بالبحث عن مصادر التّمويل للبناء وبذل الجهد في التّصميم والتّخطيط وسنّ القوانين عن المعمار والبناء والمطابقة.. العبرة ببناء الإنسان وتخطيط فِكرِهِ وتصميم عقله.. وبعد ذلك سيتجمّل المحيط لوحده، وتظهر الأرقام والأحجام والأعداد لوحدها دون أن نسعى لها..

عُري العقول

العُري خطيئة والتّبرج والسّفور ذنب عظيم، ويحقّ للمجتمع أن يضغط بما يقدر كي يدفع من أجل الحشمة والحياء والأدب... ولكن! ماذا لو دفع المجتمع إلى ذلك، واعتبر السّفور جريمة، وثارت ثائرته لساق مكشوفة هنا أو نحر متحرّر هناك، ولكنّه مجتمع يرى في الكذب والرّشوة والرّبا والسّحر الـمُجَمَّل بالرُّقية الشّرعية والقتل والجرح والسّرقة.. يرى في هذا كلّه ذنوبا يغفرها الله، من الصّغائر التي لا يجب الوقوف عندها، ويسامح فيها قبل أن تقع لأنّه كلّه واقع فيها؟؟؟
النّتيجة من هذا هو مجتمعات كحال مجتمعات البلاد الإسلاميّة في وقتنا الحاضر.. تديّن زائف، وسفور وقح عدوانيّ، وتجبّر طغيانيّ لأعداء الدّين، وقصور في وصول تعاليم الشّرع إلى النّخبة.. النّتيجة هي تديُّن هستيريّ يهمّه المظهر الذي يجعلنا شيوخا قبل الحقيقة التي تجعلنا عبادا ومومنين.. النّتيجة هي طقوس بروائح المسك ونعومة الدَّفَّة ومكيّفات الحرم ودموع الكاميرات جعلناها أهمّ من قيام اللّيل سرّا، وأهمّ من الصّيام بعيدا عن الإعلان، وأهمّ من أكل الطّعام البائت حتى لا يُرمى، وأهمّ من دعوة السّكير والعِريانة والمُلحد بدل سبِّهِم وشتمهم لكي نُظهر نقصهم فنكبُرَ في عيون النّاس باستصغارهم واحتقارهم.. النّتيجة حجّاج بالملايين، وداعُون بالملايير، وذلّة واستكانة ومهانة ليل نهار من شرذمة قليلة... النتيجة غثاء كغثاء اليل.. فالله المستعان!!!

إلى حاسدي.. مرة أخرى

أيها الحسود، انتبه لنعم الله عليك فهي أكبر ممّا تحصيه وأكثر مما تتوهّم.. واعلم أنّك عندما تعيّرني بنقص تراه فِيَّ أو نعمة تراها قد زالت عنّي أو حُبِسَت عنّي، فإنّك إنّما تعيب على الله قسمته فلست الـمُـنعِم بل الـمُنعَمَ عليه، وليس الإتيان والمنع إلاّ من الخالق وليس للمخلوق فيه شيء!
وأنت أيضا بتعييري إنّما تعبّر عن نقص فيك مقابل نعمة أخرى عندي، وأعيد عليك القول إنّ ما بي من نعمة فمن الله، ولا أُظهِر هذه النّعمة إلا حمدا لله وشكرا له، وليس في هذا الإظهار لك نصيب أو حظّ! فلستُ أراك أو أنتبه إليك.. وليس ذلك من كِبَرٍ أو حسد، إنمّا لشغلي بما فِيَّ واهتمامي بذنوبي التّي هي أخطر على نفسي منك ومن غيرك..
فنصيحتي لك أن تلتهي بما فيك، وتشكر الله على نعمه ليزيدك لا أن تعيّر النّاس بفقدها فليس لك من الأمر شيء إن كنت من العاقلين..

نعم الانتقام

عندما تقصدني في مصلحة، وتكون هذه المصلحة غير شرعيّة أو غير قانونيّة، فلا تندهش إذا رفضت ذلك، ولا يجوز لك أن تهجرني أو تخاصمني في ذلك! بل وعليك أن تشكرني لتكبّدي عناء المداراة وبذل الجهد للبحث عن الرّدود اللّبقة والمهذّبة والتّهرب بلياقة وأدب!!.. عوض إسماعك ما لا يرضيك أو رميك بما تطاله يدي، بسبب ظنّك المشين بي واعتقادك أنّي فاسد مثلك!!؟
ولا يحقّ لك بأيّ وجه من الوجوه أن تعتقد أنّي برفضي قضاء حاجتك في غضب الله وخرق القانون هو لحقد أو لحسد أو لشرّ دفين فِيَّ أو لكرهي لك ولبغضك!! ولست بذلك أقطع رحمي أو أُخلِي محيطي من الأحباب أو أعزل نفسي وأُهلِك نفسي بالدّفع بالسّيّء عند من قد أحتاجُه يوما لقضاء حاجة أو تسوية مصلحة ما.. ليس هذا من الحقيقة في شيء!!!
واعلم أنّك إذا منعتني حقّي يوما أو عطّلت حاجة لي فيها صلاح أو خير في يوم ما، فإنّك قد خرجت من دائرة الفساد إلى الإفساد.. فبعد أن منعتُ عنك ومنعتُك من الفساد يوما، ها أنت تُفسد في الأرض اليوم بإغلاق أبواب الخير عوض فتحها، وفتح أبواب الشرّ عوض غلقها.. فحاجتك كانت فاسدة، وحاجتي عندك حقّ وخير وصلاح..
وإذا أردت الخير حقّا، فلك أن نتصحني وتبيّن لي وجه الفساد في حاجتي إن رأيت فسادا، ولك أن تسعى بذلك عند من ينصحني ويردّ بي، وإذا تبيّن لي الحقّ فسأرجع إليه أو أكون فاسدا ومُفسدا وقد حقّ علي الهجر والقطع.. أمّا أن تمنعني حقّي لأنّي منعتك حيفا وجورا وظلما.. فلعمري ذلك هو الظّلم المبين!!

فتوى وفتوى

تعوّد أحد معارفي على قصدي للاستفسار عن بعض الإشكالات الفقهية بين الحين والآخر.. وبين الإجابة والإحالة تنوّعت ردودي على مرّ الزّمن.. وكم كانت دهشتي حين لاحظته يسأل عن تفاصيل تنمّ عن شغفه وحرصه على الحلال والحرام، أسئلة في الفضائل والمندوبات وعن المكروهات وحتى خلاف الأولى.. وليست الدّهشة هنا، إنّما الدّهشة عندما رأيته يقع في أفعال فيها بعض الحرام البيّن، وبعد السّؤال عنها، يخبرني أنّه أفتى لنفسه لأنّ الأمر بيّن، ولا يحتاج للسّؤال..
من هنا يتذكّر كل واحد منّا أناسا يتتبّعون التّفاصيل والدّقائق في السّنن والفضائل بالسّنتيمتر والميليمتر، ويتوّرعون عن أفعال هي من الخلافيّات ومن واسع الشّرع قبل الاستفتاء وطلب المشورة والنّصح!.. أمّا عندما يتعلّق الأمر بهوى في النّفس، وشهوة كامنة، فإنّ الأمر يصبح جليّا واضحا لا يحتاج إلى استفتاء ولا استقصاء، ولو كان فيه قطع أرحام أو إثارة عصبيّة أو إيذاء مؤمن..
جميل أن نتورّع في الفضائل، لكنّ التورّع في الفضيلة لا يغني عن فعل الحرام ولا من ترك الواجب شيئا..
نسأل الله الهداية والعافية للجميع..

الثقافة المعلّبة

كما أنّ الأكل المُعَلَّبَ غير صحّيّ وغير نافع ولا تتحقّق منه التّغذية السّليمة وهو مصدر الأمراض والعلل الكثيرة.. فإن الثّقافة المعلّبة أيضا غير صحّيّة وغير نافعة ولا تتحقّق منها التّغذية الفكرية السّليمة وهي مصدر الأمراض والعلل العقلية والنّفسية والفكرية..
فالثّقافة المعلّبة الجاهزة مليئة كما هو الأكل المعلّب بالموادّ الحافظة المُسرطنة التّي تجعل المنتج في ظاهره يدوم ويدوم ويدوم وهو في باطنه سمّ يتفاعل يوما بعد يوم لتخريب المادّة المغذّية القليلة النّافعة فيه.. وهي مليئة بالنّكهات الإصطناعية التي تحسبها غذاءا طبيعيّا كاملا وهي محفّزات مخبرية تجعلك تعتقد أن المادّة علميّة ونافعة وصحيحة، وهي زيف وزور وبهتان.. وهي مليئة بالملوّنات التي تنجذب إليها وترتاح لها العين والنّفس وهي في الحقيقة مكياج لمادّة لا لون ولا ريح ولا طعم لها بل هي مسخ وعدم وهراء..
كم تُسَوِّقُ لنا الأنترنيت ووسائل التّواصل من أفكار ومعلومات معلّبة نستهلكها ونعيد نشرها ونؤمن بها حتى صارت من المسلّمات وهي في حقيقة الأمر جراثيم وفيروسات تنخر عقولنا وأنفسنا وتزيد على جهلنا البسيط جهلا مركّبا هو أشنع وأفظع..

تحدّيات

عندما كنّا صغارا.. أردنا أن نملك العوالم كلها.. عوالم الحلوى.. وعوالم اللّعب.. وعوالم الأكل.. وعوالم الرّسوم المتحرّكة.. كانت تحدّيات عظيمة..
ومع التّقدم في العمر.. أردنا أن نكبر لكي لا يتحكّم فينا الكبار.. أردنا أن نملك مصروفا.. وأن نشتري ما نشاء.. أن ننام متى نشاء.. ونستيقظ متى نشاء..
ثم تقلّص التّحدي عندنا لأن نفوز في هذه اللّعبة أو تلك.. وأن نفوز في هته المباراة أو تلك.. وأن تنظر إلينا جارتنا.. وأن نحظى بابتسامة من بنت حيّنا..
ثمّ أضحى التّحدي الأكبر عندنا أن ندرس وننجح ونتخرّج.. ثمّ أن نعمل.. ثمّ أن نرتاح بعد أن نعمل.. ثمّ أن نجمع المال من هذا العمل..
ثم صار التّحدي أن نتزوّج.. ثم ننجب.. ثم نربّي..
ثم أمسى تحدّينا ألاّ نفقد أحدا من أحبابنا.. أن نحيط بهم أمنا.. أن نؤمّن لهم أكلا وشربا ومأوى..
في خضمّ كلّ هذه التّحديات مررنا مرور الكرام أمام أحداث جليلة وذكريات نفيسة.. مررنا أمام ابتسامة الأمّ عند أوّل درس.. أمام حضن الأب عند أوّل فرحة.. أمام حسرة الأمّ عند أول زعفة.. أمام قهرة الأب عند أول نِسيَة.. أمام تَقَوُّسِ ظهر الأمّ.. أمام تثاقل خطوة الأب.. أمام خُفوت صوت الأمّ.. وأمام زيادة صمت الأب..
هي تحدّيات نخوضها في هذه الدّنيا.. وتحدّيات نسقط فيها.. فلنا الله في هته وفي تلك..

الأبيض والأسود

قد اختلف معك في حكمنا على شيء أو شخص ما.. فتراه سيّئا وأراه حسنا، أو العكس.. وهذا ما يحدث دائما.. فحريّة الرّأي من بين الحرّيات المكفولة عرفا وعقلا ودينا.. لكنّنا، وللأسف، غالبا ما نحكم على الأشياء والأشخاص بثنائيّة غريبة تجعل من عالمنا إمّا أبيضا وإمّا أسودا.. لا مكان فيه للتدرّجات الرّمادية، ناهيك عن الألوان الأخرى!؟..
وينسحب حكمنا على كلّ شيء انطلاقا من أحكام سابقة أخرى، فأنا لا أحبّ زيدا، فهو أسود! وزيد يحبّ المعكرونة والرّياضة والأفلام العنيفة، فالمعكرونة والرّياضة والأفلام العنيفة سوداء أيضا.. وإذا رأيته يوما مع عمرو فعمرو أسود أيضا.. وإذا نما إلى علمي أن زيدا يشجع المولوديّة فالمولوديّة سوداء أيضا؟!.. وهكذا نجد أنفسنا في عالم أسود به بعض البقع البيضاء التي لا اتّصال بينها وبين السّواد الذي نعرفه..
الأشياء والأشخاص في دنيانا مزيج من الشّر والخير، والصّلاح والفساد، والحبّ والكره، يطغى جانب على جانب، ويظهر جانب دون جانب أحيانا.. لكنّ الحكم المطلق حكم جائر في كلّ الأحوال.. ومردّه إلى الله وحده.. أما نحن، فقد نحبّ خلقا ونكره آخر في نفس الشّخص، ونحبّ خصلة ونكره أخرى في نفس الشّيء، ومتى أقصينا الكلّ، خسرنا الكثير بخسارة صلاحه وخيره ولو كان قليلا..
أمّا انسحاب الأحكام على أشياء أخرى بالعلاقة والتّعدّي فهو الجهل والسفه بعينه.. ولا مجال للتعليق عليه..
إذا تعلّمنا كيف نأخذ الصّلاح ونترك الفساد من نفس السّلّة، فستظهر الألوان بالتدريج في حياتنا لنكتشف بمرور الوقت أنّنا قد شفينا ممّا سنسمّيه فيما بعد.. عمى الألوان!

عندما نَحِنُّ إلى السّيء فرارا من الأسوء

"يا حسراه على يامات زمان.".؟؟!! إنّها أيّام الخير والبركة والعافية!!؟؟ أصبحنا نَحِنُّ إلى طغيان واستبداد حكّام الماضي لأنّ حكّامنا اليوم أشدّ بأسا مع هوانهم وذلّهم أمام الأعادي.. وأصبحنا نَحِنُّ إلى صحّة زمان على قلّتها وتأخّرها لأنّ الطّب في زماننا أصبح قاتلا مع نقص فادح في الأخلاق والضّمير.. وأصبحنا نَحِنُّ إلى عُريِ زمان وقصير ومكشوف زمان لأنّنا اليوم نرى عُريا أشدّ عُريا من العُري نفسه.. أصبحنا نَحِنُّ إلى أغاني زمان وهي هي الأغاني الماجنة والفاسقة لأنّ أغاني اليوم لا أخلاق فيها ولا معنى ولا طرب ولا شيء أصلا..
وكأنّ المكتوب علينا هو العيش في السّيء أو الأسوء وليس لنا إلا الاختيار بينهما.. وكأنّ الدنيا لا صلاح فيها ولا حسن أبدا..
عندما تتعوّد النّفس على القبول بالدّنيء ولو وجد ما هو أدنى منه فقد فقدت كرامتها وحياتها.. أن تواجه النّفس شظف العيش وسوء المعاملة وفساد الحال وتحيى رغم ذلك برأس شامخ وقلب عازم على التّغيير محبّ لما هو خير وأفضل وهي مطمئنة لقضاء الله فذلك هو الرّضا المحمود عند الله.. أمّا أن ترضى بالسّوء وتضحك للفاسدين وتبرّر للظّالمين فهذا هو الذّل الذي لا يرضاه شرع ولا يقرّه دين ولا تبقى معه مروءة أو حياة..