‏إظهار الرسائل ذات التسميات رؤى من بلادي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رؤى من بلادي. إظهار كافة الرسائل

مدونة أعلام ومعالم جزائرية

في خضم الزخم الرهيب من المعلومة بأشكالها المتعددة من كلمة وصوت وصورة، ووسائطها العديدة من قنوات وشبكات وهواتف، يتيه الشخص وتتجاذبه الأفكار والتيارات، وخصوصا الشباب.
فلدقائق معدودة أمام الشاشة تلفازا كان أم كمبيوترا، يجد العقل نفسه أمام أفكار تدعو للحداثة وأخرى للأصالة، وترويجا للشهوة وآخر للروح، ودعوة للتعريب وأخرى للتغريب، والشاب اليافع المقبل على الحياة المتطلع لانتماء ما يجد نفسه أمام خيارات لا يملك معها أدوات الحكم والترجيح، يسلك مسلك الاندفاع بلا بصيرة ليجد نفسه -لا قدَّر الله- مدافعا عن أفكار لا ينتمي إليها، ومنشغلا ببِناءِ بناءٍ ليس له فيه حظ ولانصيب منبهرا بزخرف الدعوة وبريقها وهي في الحقيقة زيف وبطلان.
من هنا كان توضيح الصورة لأبناءنا وإخواننا فرضا وواجبا يمليه حب الخير والدعوة إلى الحق وكشف الزيف والبهتان والباطل. ولكن، ما هي هذه الصورة التي ينبغي توضيحها؟
الصورة المقصودة هي المحيط الأدبي والبيئة التاريخية التي ينبغي أن يصوغ منها الفرد توجهاته وأفكاره ورسالته في هذه الحياة. وأقول ينبغي لأن المولود في هذه الأرض، والمنتفع من خيراتها ليس طفرة زمنية أو بدعة كونية نشازا في المد الزمني، بل هو امتداد لأزمنة متتابعة وجماعات متلاحقة عمرت هذه الأرض، ولن يكون إلا امتدادا لها، فوجب عليه معرفة بيئته ليحدد مصيره. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إذا أراد تغيير واقع وجذور هذه البيئة، عليه أن يفهمها ويحدد مواقع الخلل فيها، ومن ثم يقنع نفسه أولا، ثم غيره بعد ذلك بضرورة التغيير وصلاحه.
وعلى كل الأحوال، لا مفر له من معرفة جذوره، والتعرف على ذاته، وهو ما لا يتأتى إلا بالتوجه نحو قراءة المعالم المكانية والأعلام التاريخية التي صاغت وتصوغ بيئتنا ومحيطنا.

عن مدينة بوسعادة.. ناصر الدين ديني

لا يمكنك زيارة مدينة بوسعادة أو الحديث عنها دون ذكر الرسام الفذ الذي أقام فيها وترك باريس إليها.. فهو الشاهد على أن هذه الواحة المتواضعة على باب الصحراء الجزائرية قد أغرت بجمالها رساما وُلد وعاش في عاصمة الفن باريس صاحبة المتاحف واللوحات النادرة.. لكنه فضل عنها واحة أقام فيها وأوصى أن يدفن فيها وقد دفن فيها، بعد أن اعتنق لغتها ودينها وجمالها..
إنه ناصر الدين ديني، وإن كنا ممن يتفقون مع مذهبه في الفن أو نختلف، وإن كنا ممن يوافقون على رسوماته أو نختلف.. فإننا ولا شك، نقر بأنه علم من أعلام الجزائر وإن لم يولد فيها.. لكنه عانق لغتها ودينها وأحب أرضها وأوصى أن يدفن فيها بعد أن عاش بين أهلها معبرا عنهم لا مغتصبا لأرضهم أو محتقرا لثقافتهم.. بل ساهم في نشر ثقافتهم وتخليد حياتهم برسوماته ولوحاته خاصة ما كان منها بعد إسلامه..
لقد ارتبط ناصر الدين ديني بالمنطقة وأعيانها، وله إلى اليوم لوحة رسمها للشيخ محمد بن أبي القاسم الحسني مؤسس الزاوية الشهيرة في ضاحية بوسعادة.. وله لوحات تقَصَّت كل مناحي الحياة الجزائرية من صلاة وتحر للهلال وغسل ولهو ورواح للكُتَّاب ورعي..
بيته الذي تحول إلى متحف لا زال يحتفظ برونق وسكينة خاصة تنقلك للقرن التاسع عشر حيث بوسعادة واحة هادئة خلابة، والناس بين فنان ومحب للفن وطالب علم ومحب لطالب العلم ومجاهد وداعم للجهاد..

عن مدينة بوسعادة (1)

سمعت كثيرا عن مدينة بوسعادة وكيف أنها بوابة الصحراء وأقرب الواحات إلى الساحل، وكيف أنها مدينة السعادة والراحة.. فقادني إليها القدر الأسبوع الماضي وزرتها ليومين لأتعرف عليها وعلى معالمها..
والحقيقة أنني شعرت بسحر ينبعث من الطبيعة مع اقترابي من بوسعادة عبر الأراضي السهبية مخترقا المناخ القاري المعانق للأطلس الصحراوي راسما لوحات طبيعية لم أعرفها ولم أتذوق حلاوتها قبل ذلك اليوم..
ومع حلولي على المدينة اكتشفت كيف نال منها ومن واديها العمران بطريقة بشعة غير مدروسة جعلها كباقي مدن الوطن هجينا بين أنماط مختلفة من العمران فلا هي حافظت على أصالتها ولا هي في حلة حديثة كاملة، فضُيِّعت الواحة ولم تُقم المدينة..
ورأيت فيها شبابا في عمر العطاء والإنتاج مقامهم المقاهي، ولياليهم السمر قليل منهم العامل أو الطالب أو الشغال كحال باقي مدن الوطن..
ورغم هذا وذاك، لازال في المدينة معالم للجمال تستحق أن يعرفها العالم، وأعلاما يشهدون للمدينة بأنها باب السعادة وبوابة جنة الأرض.. عاشوا فيها ودفنوا فيها..