من شهر الصيام إلى شهر الأكل

مع مرور أيّام رمضان، واستتباب الأمن على مستوى المطابخ وقبالة التّلفزيونات، استقرّت المتابعات على نوع من البرامج ما كانت لتحتلّ لها مكانا بين المسلسلات والكاميرات الخفيّة في الماضي.. إنّها برامج البطن والمُصرَان..
لقد انتقلنا من مجرّد برامج أسبوعيّة عابرة للطّبخ تقدّمها سيّدة أو سيّدتان على المستوى الوطني.. إلى برامج متخصّصة بميزانيّة ضخمة همّها الوحيد، الجهاز الهضمي.. وانتقلنا من مجرّد برنامج عن كيفيّة سلق الخضار أو تحميص الدّجاج أو تحضير المقروط.. إلى مسابقات في الطّبخ للمحترفين، وأخرى للهواة، وأخرى للأزواج، وأخرى للمشاهير، وقعدات حول أطباق، وسفرات للأكل والطّبخ، وتحدّيات في الطّهي، وبرامج للمقالب عن الطّبخ..
لقد صار الطّبخ ترفا واحترافا وفنّا وعلما بعد أن كان مجرّد وسيلة لإشباع البطن.. فصار غاية في نفسه هدفا قائما بذاته.. لدرجة أن برامجه صارت تحتل الصّدارة في رمضان عوض المسلسلات والمقالب ورنّات العود..
والعجيب إقبال النّاس على هذه القنوات في رمضان نساءا ورجالا.. ربّما بدافع الجوع.. ولكنّ هذا الإقبال يستمرّ حتى بعد الإفطار.. ربما بدافع الشّبع..؟!
المهمّ أنّنا صرنا نقدّس الأكل في حياتنا وصار له حيزّاً أكبر من مجرّد سدّ رمق أو دفع جوع.. فهل هو دليل رقيّ للإنسان.. أم دليل شهوانيّة وخلود إلى الأرض؟

أواسط رمضان.. أو التكيف

صرنا لا نحسّ بالجوع في رمضان، أصبحنا نأكل أكثر فأكثر على الإفطار.. صار السّحور دَسِماً أكثر، ولا فقدان للشّهيّة بعد صلاة التّراويح..
تعوّدت أجسامنا على الصيّام.. وأصبح الانقطاع عن الطّعام عادة أكثر منه مصابرة ومكابرة.. اختفت مظاهر الشّهوة الجامحة عند رؤية الزّلابيّة نهارا.. لقد تعوّدنا عليها.. واقتنع البطن الباطن أن مآلها إليه بعد الأذان..!
للجسم قدرة عجيبة على التكيّف.. وللعقل كذلك.. الصّيام أوّل رمضان صعب وثقيل.. لكنّه في هذه الأيّام أضحى جزءا منّا.. أَلِفنَاه وتعوّدنا عليه..
كذلك حالنا مع كلّ شيء جديد.. نستثقله، نتحمّله، نصبر عليه، ثمّ نعتاده ونتعوّد عليه، وفي الأخير سَنُحِبُّه، ونتمى عدم زواله!!.. إنّه التّغيير عدوّ الإنسان..
وإذا كان هذا التعوّد محمود لأنّه على العبادة والطاعة.. فهناك تعود مذموم لإنّه على الذّلة والمهانة..
فرؤيتنا لأطفال فلسطين والعراق ولبنان كانت تحزّ في نفوسنا ونحن أطفال صغار.. فنتكتب وندعو ونتأثّر وربّما نبكي.. أمّا اليوم فقد تعوّدنا على ذلك وزدنا عليه سوريا وليبيا واليمن.. وصار ذلك أمرا عاديّا وعادة مألوفة..
وأخشى ما أخشاه.. أن نحبّ ذلك يوما..

صيام عن طلب العلم

يتصادف رمضان غالبا مع رغبة جامحة إلى الخمول والكسل.. يطلب الجميع فيه الرّاحة والعطلة.. بدافع العبادة والتفرغ للصّلاة والقيام طبعا؟!.. مع أن أكبر الفتوحات الإسلاميّة كانت في رمضان.. والأدهى من ذلك والأمرّ.. أن التّلاميذ والطّلبة يطلبون تأجيل الامتحانات.. وساعات الدّراسة تُقلّص أيضا في رمضان..
مع أن الطّالب أو الطّالبة، وخاصّة الجامعيين، يمضون جلّ وقتهم أيّام السّنة في جامعاتهم، وربّما يكتفون بوجبات خفيفة أو بعض الحلوى.. في وهج الشّمس.. دون أن يشتكوا من الجوع أو الضّعف أو الوهن.. إلاّ ما رحم ربّي طبعا..
أمّا في رمضان.. فمع تقليص مدّة الدّراسة للحصّة الواحدة.. وتأخير ساعة الدّخول.. وتقديم ساعة الخروج.. تراهم سكارى وما هم بسكارى.. ويودّ أحدهم لو نام في المدرّج أو في قاعة الدّرس.. وتجدهم يجادلون في الفحوص والامتحانات.. وربّما تغيّب الفوج كاملا إذا كان الحضور غير إجباري..
ويستوي في ذلك الطّلبة الدّاخليّون وغيرهم.. فإن لكان للطّلبة الدّاخليين بعض من أعذار خدمات الإيواء والإطعام.. فما عذر الطّالب الذي يقيم على بعد أمتار من الجامعة؟
إذا كان طلب العلم يشقّ علينا في رمضان.. فكيف نطلب من البنّاء والحمّال وأصحاب المهن الشّاقّة مواصلة أعمالهم فيه؟؟
كلّ عام وأنتم بخير.

سهرات رمضان

كلّ شيء صار يُنسب إلى رمضان.. فبعد الحلويّات الرّمضانيّة كالشَّامِيّة والزّلابيّة وأصابع القاضي، والأطباق الرّمضانيّة كالسَّفَّةِ والحَرِيرَة.. جاءتنا ريح عاصف بالبرامج الرّمضانيّة والمسلسلات الرمضانيّة والسّهرات الرّمضانيّة..
واستوقفتني سهرة رمضانيّة بعينها لم أجد ما أُعلِّق به عليها أبِالكتابة أم بالإشارة أم بالسبّ أم بالصيّاح وشقّ الجيوب!! رأيت ولست أدري حقيقةً أم مناماً أن شُبَّاناَ اجتمعوا واكتَرَوا قاعة عظيمة لمشاهدة مباراة بين الرّيال وليفربول.. إلى هنا قد يكون الأمر عاديا، ولو لم يكن! لكنّه في زماننا، أصبح عاديا.. ثم أدركت أن الاجتماع نظّمته رابطة مشجّعي ريال مدريد!!.. هل جاء الإسبان للتّبادل الثّقافي معنا عن طريق رابطة مشجّعي كرة القدم.. كلاّ! هل هناك جالية إسبانيّة مقيمة في الجزائر تشجّع فريقها الملكيّ.. لا! إنهم جزائريّون فقاقير مَكَادِيح.. أسّسوا رابطة في الجزائر لتشجيع النّادي الملكي؟!؟! أي والله.. رابطة برئيس وأعضاء لتشجيع نادٍ لا تربطنا به أي علاقة.. لا دين.. ولا وطن.. ولا لغة.. ولارنَاكَة!
وفوق هذا وذاك تفنّنت عدسات الكاميرا في تصوير فتيات متبرّجات مائلات مميلات بأقمصة النّادي الإسباني وأعلامه.. وربما لا تعرف إحداهنّ أين تقع إسبانيا من الخريطة..
إنّه زمن التّفاهة والهوان على أنفسنا.. شباب بعمر الزّهور همّهم في حياتهم تشجيع النّادي الملكي.. والله غالب على أمره.

أنغام رمضان

من المضحك المبكي في رمضان، ارتباطه الغريب العجيب بالموسيقى.. أي والله!.. الموسيقى في رمضان!!.. فالحفلات السّاهرة الرّاقصة الطّنّانة الرّنّانة لا تحلى إلا في رمضان.. ونسمّيها السّهرات الرّمضانية.. وجلسات الأنس والطرب.. تُقام في الخيم.. الخيم الرّمضانيّة.. أي والله!.. حتى شوادي المراقص اللّيلية والملاهي يقدّمون لمجونهم باللّيالي الرّمضانية.. 
هل هو الانتقام من صيام النّهار بالصيّاح ليلا؟ أم هو الاحتفال بأداء الطّاعة نهارا بالهَزِّ ليلا؟
لكم المراقص وخشبات المسارح والسّاحات طول العام.. قدّموا للنّاس ما تشاؤون وما يشاؤون من طرب وغناء وصياح ونواح وعويل.. ولم يمنعكم أحد من القيام بذلك في رمضان أيضا.. ما دام النّاس يشتكون الفقر والغلاء، ورغم ذلك يدفعون لكم لكي يستمعوا إلى هديركم.. فلماذا هذه المزايدة والشّطح والنّطح.. وربط كل ذلك برمضان؟؟..
ألا يكفينا هدر المال وعصيان الرّب، لنزيد عليه الاستهتار والاستهانة بشعائر الله وفرائضه؟..
شأننا في هذا كمن ملأ قنينة الخمر وسَوَّقَهَا وطبع عليها علامة.. حلال!

جمع رمضان

الجمعة من فرائض الإسلام التي يجتمع فيها المسلمون حول خطبة تُذكّرهم بدينهم وتنهض بهم إلى القيام بواجباتهم.. وهي في وقتنا طقس من الطّقوس التي نجد أنفسنا مُجبَرِين على حضوره.. قد نحضرها بعد صعود الإمام إلى المنبر.. أو بعد نزوله.. وأحيانا بعد تكبيره.. المهم تسجيل الحضور.. أما سماع الخطبة.. فإذا فهمناها، فسننساها عند قول الإمام: إن الله يامر بالعدل والاحسان..!!!
أمّا في رمضان فالأمر مختلف جدّا.. وخاصّة بالمساجد الكبيرة.. نسبة لأئمّتها لا لحجمها طبعا!.. فإذا جئت بسيّارتك.. فعليك التبكير بساعة أو أكثر لكي تجد لسيّارتك موضعا قريبا يُعفيك مشقّة السّير تحت وهج الشّمس وأنت صائم؟!.. ثم إذا دخلت المسجد فستجده عامرا مُكتظّا وكأنّ الناس باتت فيه من ليلة الأمس؟.. ثم هنالك زيادات الإمام في رمضان.. تشغيل تسجيلات القرّاء من دخول وقت الضحى!.. وزيادة تطويل الدّرس وتقديمه عن موعده.. تأخير الصّعود إلى المنبر.. وإطالة الخطبة.. وطبعا جمع التبرّعات.. والحثّ على إعانة الجمعيّة الفُلانيّة والمُؤسّسة العِلّانيّة.. وفي خضمّ هذا كلّه.. النّاس بين منشغل بالقراءة في مصحفه.. أو بترتيب عباءته الجديدة التي يخرجها من مخبأها من رمضان إلى رمضان.. أو نائم بالقرفصاء أو مستلقيا على بطنه.. وقليل من يستمع أو يلقي للإمام بالا.. إلا في الخطبة طبعا؟!
أمّا بعد انقضاء الصّلاة.. فالطّريق إلى العودة أطول من طريق الهجرة.. فجموع المصلّين لابد من أن تسلّم على بعضها وتسأل عن أحوال بعضها، ماذا تسحرت وماذا أفطرت وماذا ستفطر وأين ستصلي التراويح وأين ستصلي العيد وهل أخذت عطلة في رمضان ومتى تتوجّه إلى الوظيفة.. وكلّ ذلك وهم قيام عند باب الجامع.. ثم بعد أن نَتَكَركَر عند رفوف الأحذية ونَتَعَصَّرَ عند الأبواب.. نجد الجموع عند باعة الحشيش والبطيخ والزلابية عند الحدود الإقليمية للجامع.. فبعد أن يشتري كل واحد من المصلين فواكه لَيلَتِه.. تَنفَسِحُ الطرقات لك لكي تشق طريق العودة إلى بيتك..
هي جُمَعُ رمضان.. ينقص نصف رُوَّادِها بعد العيد.. وتَتَفَسَّح مداخل أبواب جوامعها.. جعل الله كل جمعنا كجمع رمضان.. مع قليل من الأدب والنظام إن أمكن، إذا لم يكن في هذا إحراج للبعض!!

نوم الظالم عبادة..

في رمضان.. يقضي بعض النّاس نهارهم أو جُلَّه وهم نائمون.. وكثيرا ما نسمع ونقرأ عن فضائل الصيام وأجر العاملين في رمضان.. وكيف أن النّوم نهارا يغيّر السّاعة البيولوجية  ويسبّب اضطرابات في النّوم الطّبيعي ليلا وفي السّلوكات ويؤدّي إلى العدوانيّة والتّعب و.. و.. و..
ولكن؟ هذا حال من أراد الصّيام.. وأراد العيش بسلام.. وأراد صحة وعافية واطمئنان!!.. أمّا من لا يحلو له العيش إلا ضنكا.. ولا يطيب له المقام إلا وسط الفوضى والنّزاع والصّياح والضُّبَاح.. ولا يستطيب الناّس إلا ضاربين أو مضروبين.. مُكَدَّرِين مُعذَّبِين أو مُعَذِّبِين.. فهل ننصح هذا بالنّشاط في رمضان وعدم النّوم نهارا..؟؟!
مثل هؤلاء لم يفقهوا حقيقة العيش والمشاركة والحياة أصلا.. فهل لهم فقه بالصيّام والعبادة وحكمتها ومقاصدها!؟!.. فمقصدهم في هذه الدّنيا واحد.. مُنَاكَشَةُ خلق الله ولو أمواتا بنبش قبورهم!!.. فلا تراهم في محلّ إلاّ مُنَاكِفِين للبائع أو مُتَغَلِّظِين على المُشترِي.. ولا تراهم في الشّارع إلاّ مُقَلِّبِين أبصارَهم مُستأذِبِين على عابِرٍ هُنا أو مَاشِيةٍ هُناك.. ولا تراهم في بيوتهم إلا مُتَأَفِّفِين على آبائهم أومُستَقوِين على زوجاتهم أو مُنزِلِين أشدّ العذاب على أولادهم..
لكلّ هؤلاء.. ناموا تصحّوا.. ولو استطعتم إلى النوم الأبدي السرمدي سبيلا.. فلا تستيقظوا.. ما فاز إلا النُّوَّمُ..

عن التراويح أحدثكم..

من مظاهر تخلّفنا وانحدارنا في قعر وادي الظّلام.. ابتِعَاثُنا لدِينٍ جديد مُنمّق مُتبرّج مُنسّق بطلاء لماّع ودهان برّاق.. إنّه الحسنة النّظيفة الجميلة البعيدة عن العرق والكد والمصابرة..
فمن كل العقائد والفقه والأخلاق التّي جاء بها ديننا الحنيف.. لا يحلوا لنا إلا الفروع دون الأصول والحواشي والهوامش دون القلب..
فإذا تغيّبت عن صلاة التّراويح فرُبّما بَطُلَ صيامك.. وإذا لم تزاحم النّاس على القارئ الشّجي البَّكَّاء النّديّ واكتفيت بالصّلاة عند إمام الحيّ مع العجائز فلماذا تصلي؟؟ وكيف تسمّيها تراويح؟!!.. فالتّراويح هي العبادة الأولى ودونها دخول جهنّم.. وياحبّذا لو لبست سُعُودِيّا أومِصريّا.. واكتَحلتَ وتَمَسَّكت.. وبكيت.. لقد وجبت لك الجنّة! ولو تخلّفت عن كل فرائض اليوم.. ولو سببت وشتمت وغششت في عملك وأكلت مال النّاس واغتبتهم بين كل ترويحتين!.. فكلّ ذلك ليس من الدّين في شيئ.. وتُكَفِّرُهُ ركعة في الجامع القطب مع دمعتين.. وليتها دمعتين على آية وُعِيدٍ أو آية عذاب.. بل دمعتين على دُعاءٍ لم يرد به الأثر وربّما كان فيه كفر بواح!؟
لا يهمّنا قلبك أو معاملتك أوتفانيك في عملك أو كفّك أذاك عن النّاس.. ما دُمت لست في واجهة التّراويح أو واجهة العِيد.. فأنت "ناس ملاح" لكنّك لست مُتَدَيِّنا؟؟ أمّا لو كنت عكس ذلك.. فأنت شيخ!.. ولو رأيناك تزني على قارعة الطريق..!!!
إنّه الدّين الجديد الذي جعل دعاء المليار من النّاس لا يحرك في إسرائيل شعرة أو ظفرا..
إسلام معتدل في زمن التطرف..

عقارب الساعة.. والصيام

قرأت مرّة كيف وصف أحدهم عقارب السّاعة في رمضان.. وكيف أنّها تتأثّر بالصّيام.. فهي نشيطة تجري كالسحاب حتّى منتصف النّهار.. ثمّ تظهر عليها علامات التّعب فتتباطؤ كجري الطّفل الصغير حتى بُعَيدَ العصر.. ثمّ تُنهَكُ وتخور قواها لتَحبوَ حتّى قُبيلَ المغرب.. عندها تصاب بالإغماء.. لتُدفع إلى الأذان دفعا فتُحس الدّقائق الّتي تسبق الأذان كأيّام.. ثمّ تنشط بطريقة عجيبة بعد الأذان فلا تجد نفسك إلاّ وقد استفقت بعد إغماء السّحور!؟
والحقيقة أن السّاعة وإن كانت وفق الفيزياء والطبيعة والقياس واحدة، مع اعتراض بعض أهل النسبيّة على ذلك؟!.. إلاّ أنّها وفق الاستعمال البشري ونواميس الانتظار والتّرقب مختلفة جدّا.. فالصّائم لربّه يجد يومه قصيرا عن العمل والعبادة والطّاعة.. ينقضي يومه وهو عنه راض.. أمّا الصّائم عن الأكل فيومه بعدد قَرقَرَاتِ بطنه.. كلّ قَرقَرَةٍ بِسَنَة!.. لا يُعينُه في ذلك إلا النّوم أو اللّعب.. 
وكذلك القائم لربّه، يقضي ليلته بين أكل وشرب وصلاة ودعاء..ونوم!.. لكلّ ذلك مُتَّسَعٌ ومكان.. أمّا المحتفل بأكله وشربه مُنتقِما من يومه الجافّ والنّاشف.. فلا يكاد يلهو أو يلعب قليلا.. إلاّ وتباشير الصّباح قد لاحت.. وذهب عن هذا وذاك نفس الوقت بحساب السّاعاتي.. ولكنّ الحساب عند أهل التّدبير حساب آخر..
فأي الفريقين أهدى؟

الصيام للإحساس بالفقراء؟

لا أظنّ أنّ صيامنا يذكّرنا بالفقراء.. الفقير الذي لا يجد قوت يومه.. ويُخفي فقره عن النّاس فيظهر بلباس متواضع والجوع قد نال منه وربّما لم يذق الطّعام ليوم أو أكثر.. أو الفقير الذي يقتات على خبز وماء.. أو الفقير الذي لا يجد الّلحم إلا هديّة يوم العيد..
هل نصوم ونحس بجوعه؟ فهو لا يشتري نصف السوق ويملأ بيته برائحة اللحم طول اليوم فيُشبع أنفَه قبل الإفطار وبطنَه بَعده.. ثم ينقلب بعد الإفطار على بطنه من التخمة.. هو لا يمضي نهاره نائما لأنه يَكِدُّ ليفطر على شربة ماء أو قطعة خبز.. هو لا يقلّب القنوات ويمضي نهاره على الأنترنيت لأنّه لا يملك هاتفا أرضيا أصلا، وإن عاد إلى بيته فلِيرتاح دقائق قبل المغرب..
إذا كُنتَ لا تجد لك من هؤلاء نصيبا فاعلم أنّك لستَ فقيرا ولا تعرف للفقر معنى..
وإذا كنت تقول أنّه لا يوجد من يَرُدُّ فقيرا فموائد الرحمن مفتوحة والخبّازون لا ينهرون فقيرا عن قطعة خبز..  فَلستُ عن هؤلاء أُحَدّثُك.. إنهم الذين لا يسألون الناس.. ويحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف..
فإذا وقفت على أحد منهم، فلا تفوّت عليك أجر الصدقة في رمضان.. فعليهم أنفق كل مالك ولا تتحسّر..

دعني.... فأنا صائم!

العمل عبادة على قول الصالحين.. فما بالك في رمضان، الموظّف يتقاضى راتبه ليقوم باستقبال المواطنين والتكفّل بانشغالاتهم وقضاء حوائجهم، وهو على ذلك يؤجر.. ومواقيت العمل في رمضان تقلّص بساعة أو نصف السّاعة لأنّ الموظّف لا يحتاج إلى راحة الغذاء! فهو صائم؟
في دائرة من الدّوائر انتظرنا عند الباب الخارجي من السّاعة الثّامنة والنّصف إلى التّاسعة والرّبع موعد بدء الاستقبال.. ثم انتظرنا بالدّاخل حتى تكرمت علينا الموظفة بالحديث.. ثم انتظرنا وانتظرنا وانتظرنا بين كتابة وتحرير وطباعة وإمضاء..وكل ذلك ونحن ندعوا الله أن لا تدقّ السّاعة لمنتصف النّهار.. موعد نهاية الدّوام؟!!!
وكلّ ذلك وجيش من الموظّفين والأعوان بين جلسات لا ينقصها إلا الشّاي.. ودخول وخروج وبوس وعناق وكأنّهم لم يرو بعضهم لأعوام.. وأمام أيّ احتجاج أو تذمّر.. والله إنّي متعب! لم أنم البارحة وأصبحت صائما!! وهل نحن مفطرون؟؟ فكل النّاس صائمون في رمضان.. والجواب الشّافي الكافي المُعافِي فوق هذا وذاك: إذا أردت نصيحتي.. عد بعد العيد!؟
وبعد الإفطار، يتجمّل الكلّ رجالا ونسائا متوجهين إلى الجامع القُطب لأداء صلاة التراويح.. في ركوع خشوع ودموع..
إنّه قمة الإيمان والتوحيد والإخلاص.. لا نعبد إلا الله وحده.. أمَا عَبِيدَهُ.. فنلعنهم ونلعن آبائهم.. إنّها عقيدة التّوحيد..

رمضان والضحك

يتسابق الإعلام لإنتاج وبثّ المسلسلات الفكاهية وبرامج المقالب في رمضان من كل عام.. وصارت بعض المسلسلات الفكاهية وبعض برامج الكاميرا الخفية مرتبطة برمضان.. وكأنّنا في رمضان نحتاج لجرعة زائدة من المزاح والضحك والتهريج..!؟
رمضان شهر للعبادة والمضاعفة أجر الفرائض والنوافل.. أما مواصلة السيرك الذي نعيشه طوال العام في ضحك وقهقهة فلم نعرفه في رمضان إلاّ زمن الانحطاط والتّكركر..
وأيّ ضحك وأيّ تسلية.. لكنّي بنا وقد استنفذنا الجرعة الطبيعية للمزاح واللهو، ورحنا نبحث عن جرعات زائدة وغير طبيعيّة.. كالمدمن الذي طال إدمانه فأصبح المخدّر لا يجدي معه نفعا.. فراح يزيد الجرعات ويخلط السموم حتى توفّاه الله وهو على المعصية!!!
لقد صارت محاولات الإعلام الفاسد لإضحاكنا يائسة لدرجة الخوض في أعراض النّاس.. واستغلال ضعفهم ولحظات خوفهم ورعبهم.. وتعمّد استفزازهم لقول القبيح من القول والتّظاهر بحذفه واستبداله بالطّنين والأزيز والصّفير.. وحتّى الدّفع لبعض المشاهير لمحاكاة الغضب والرّعب وسب الدّين وابتذال المُشاهد بإلقاء الكلمات النّابية الخادشة لكل ذوق واحترام..
ويسمّون كلّ ذلك فنّا وتمثيلا.. ونحن نزيد في ذلك برفع نسبة المشاهدة والمتابعة..
فبين مزاح وسخرية.. وبين أكل وشرب.. وبين فسق وعري.. نعبد الله في رمضان.. شهرُ الكفِّ عن المباح والصّبر وترويض النفس.. كل عام وأنتم بخير..

وما دخلي بزواجهم ؟؟

لا أستطيع وصف كمّ الغمّ والهمّ الذي امتلأت به وأنا أرى قنوات عربية لبلاد تتغنّى بالإسلام وهي تبثّ على المباشر حفل زفاف لأمير بريطاني على غانية أمريكيّة وهي تنقل كل تفاصيله من قصّات شعور المعازيم إلى مقاسات تنانير السّاقطات اللّواتي حضرن هذا الحفل الذي قدمت له المذيعات بأنّه أبهج حفل مرّ بنا منذ عقود.. وأنّه أكبر حدث في تاريخ البشريّة في هذا القرن..!؟ وأصابني الغثيان والإسهال وأنا استمع إلى عبارات الثّناء والإعجاب لزوج من الفسّاق يعقد قرانه في كنيسة كانت بالأمس القريب تحرض على ذبح المسلمين واغتصاب نسائهم..!!!
أيّ وقاحة بلغناها.. بالأمس كنّا نحاربهم.. وندعوا عليهم بالثّبور.. ونقاتلهم لنخرجهم من أرضنا.. واليوم نجلس أمام التلفاز لساعات لنشهد طقوسهم ونستمتع بزيجاتهم ونتناقل أخبارهم.. إنّها العبودية والذّلّ والهوان الذي لا يليه شيئ إلا دخول جهنّم!!!
أطفال غزّة يموتون جوعا ومرضا وقهرا.. ونساؤها يدافعون عن رجال الأمة.. ورجالها بين شهيد وأسير.. ولا ذكر لهم.. وإن كان فلدقائق معدودة في خضمّ أخبار الهند وبلاد السّند..
أما زفاف العهر وأخبار الدنس فنقلها بالمباشر للسّاعات وتحت وهج الشّمس..! وفي رمضان..!!!
كل عام ونحن أمة الذل والهوان والاستعباد..

الشاميّة

الشاميّة جزء من الثّالوث الحلوانيّ الرمضانيّ للجزائريّين بالإضافة إلى الزّلابيّة وأصابع القاضي.. وإن كانت في السّنوات الأخيرة مُزَاحَمَةً من حلوياّت أخرى كالقطايف والكنافة والبقلاوة التي لم نعرفها في رمضاناتنا ربّما لأسباب اقتصادية تاريخية..
ولنا نحن الجزائريّون إضافات لهذه الأيقونة لنجعل رمضاننا أكثر تشويقا وإجلالا.. فجارنا عبد القادر يقطع الطريق السيّار ليشتري شاميّة بوعلام لأنّها الأحلى في رمضان.. أما جارنا بْلَاحَة فلا يشتري إلا شاميّة الهوّاري لأنّها رمز لرمضان في المدينة على حسب تعبيره!؟.. والأجمل من كل هذا أنّه لا بوعلام ولا الهوّاري يصنعون شاميّتهم.. بل تُوَزِّعُهَا عليهم سيّارة تجاريّة قديمة مُهترئة كلّ صباح والله أعلم في أيّ مُستودع نتن تُحَضَّرٌ هذه الشاميّة وفي أيّ ظروف!؟ خاصّة إذا علمنا أنّ بوعلام يعمل حلاّقا باقي أيام السّنة!.. والهوّاري يبيع المُطَهِّرَات ومواّد التّنظيف..؟!
ولا يخلو الحال من حلوانيِّين يبيعون هذه الشاميّة طيلة أيّام السّنة.. ويصنعونها بأيدييهم وأمام أعين زبائنهم.. ويضيفون عليها لمساتهم كطليها بالشّوكولاطة أو جوز الهند أو حشوها باللّوز.. وهم قلّة ولهم زبائنهم.. أما باقي الباعة في رمضان فهم ميكانيكيون أو خبازون أو خياطون كَسدَت تجارتهم في هذا الشّهر فخلطوا السّميد والسّكر وصاروا حلوانيّين.. صح فطوركم.

المُسَلِّيَّاتُ في أيام رمضان


لم أفهم يوما عشق بعض النّاس للفوضى والزّحام!؟ الطّوابير لا تنتهي من أمام محلّات بيع الزّلابيّة والشاميّة والمخابز طول اليوم.. السيّارات متوقّفة في الصفّ الثّاني والثّالث أمام هذه المحلات، بالرّغم من وجود المكان المتاح الذي لا يعرقل حركة ولا يزعج أحدا!!.. حركة السّير متوقّفة تماما.. والكلّ مبتهج مسرور.. هل هي المُسَلِّيَّاتُ في أيام رمضان..؟!
والغريب في الأمر هذا التواطؤ العجيب على إبطاء الحركة وخلق التّجمعات والزّحام من الجميع.. فالزّبون في المحل الفارغ تراه لا يشتري.. بل يتجاذب أطراف الحديث مع البائع عن أحوال البلد وأحوال العراق وسوريا وفلسطين وليبيا والصومال وكل بلاد العالم.. ثم ينضم الثّاني فالثّالث فالرّابع.. ولا يحلو البيع واقتناء السّلعة إلاّ عند امتلاء المحلّ وتكاثر النّاس وارتفاع أصواتهم بالشّكوى والصّياح والعِيَاطِ على بعضهم البعض.. لأّنهم صاروا بقدرة القادر على عَجَل ولهم مشاغل وحاجات يقضونها.. وهُمُ هُمُ الّذين كانوا يُلُوكُونَ الهَوَاءَ والمحلّ فارغ..
وعند مغادرتهم المحلّ لا يحلوا لهم السّير وعبور الشّوارع إلا وقد امتلأت بالسيّارات لمُزَاحَمَتِهَا والتَّبَلِّي على سائقيها وشِرَاءِ الحديث معهم أو بَيعِهِ وافتعال الشِّجَار والعِرَاك.. أما والشّوارع خالية.. فالبحث عن ظلال الجدران ابتعادا عن حرّ الشّمس لأن الصّيام أتعبهم!؟
عجيب هذا النّوع من النّاس الذي يطفح في شهر رمضان.. وتزيد أعراضه.. وإن كان لا ينقرض باقي أيام السنة..

هلال الشهر

ككل عام، يهلّ علينا الشّهر الفضيل ببركاته ونسماته الإيمانية العطرة الفوّاحة.. شهر ينتظره الكلّ وقد تلبَّسُوا بكل أسباب القبول والاستعداد للقيام والصّيام..
على حيِّنا يتهافت كلّ أهل المدينة للتّزوّد بأكياس البطاطا والبصل والثوم والجلبان وأنصاف الخرفان والدَّوّّارَات.. يغلقون علينا منافذ الحيّ كله في منظر مهيب!.. منهم من يتسوّق وهو في سيّارته، يسأل عن الأثمان ويُسَاوِم البائع ثم ينزل ليشتري ويملأ سيّارته وهو في منتصف الطّريق وخلفه زحمة سير كأنّها ليوم القيامة!؟ ولا يجوز لك الاعتراض.. فنحن على أبواب الشّهر الفضيل..
وعند البَّقَّالين، يَتَخَاطَفُ النَّاس كل ما على الرّفوف من دقيق وسميد وعجائن وعصائر وكأنّ أوَّلَ يوم من رمضان هو يوم الفناء الكبير.. وترى النّاس في هذا يسارعون ويركضون في نسق واحد وعلى قلب رجل واحد.. إنّها الوحدة التي تميّزنا والتّضامن الفطري لدى أبناء شعبنا..
أسابق نفسي كي أعود إلى البيت لعلِّيَّ أرتاح من الجري الّذي يفرض عليك في الشّوارع فرضا.. أفتح التّلفاز فأرى القنوات قد أقامت النّدوات والمؤتمرات للتعريف بمنتجاتها للشّهر الفضيل.. نعم يا سيدي! منتجات الإعلام للشّهر الفضيل.. فلا بد من مرافقة الناس في هذا الشّهر كي لا تحيد عن روحانيّة العبادة والفضيلة!.. ولك أن تتخيّل كمّية العري والفسق والابتذال في هذه المنتجات.. وفوق هذا الإسفاف برامج المقالب السّخيفة التي تستغّل عفوية النّاس وتسخر من سذاجتهم..
هذا هو رمضاننا.. بين بطن وفرج وسرير..
تذكّرت شهداء غزة ومشاريع الشّهداء فيها.. للتّسوق هناك معنى آخر.. وللإعلام عندهم هدف آخر.. ولرمضان طعم آخر..
جاء رمضان وأوًّلُ أيّامه غيث ومطر.. مطر لم ينقطع من ليلة البارحة.. ترى؟ هل يكفي لغسل العار وتطهير البلاد منّا؟
كلّ عام ورمضان شاهد علينا..

الشهادة والتعليم والمعرفة

استوقفني اليوم على أمواج الإذاعة الوطنية حديث مع مهندس في الإعلام الآلي وهو يتحدّث عن البرمجة، وكيف أنّه يقدّم دروسا للشّباب عن البرمجة لصناعة التّطبيقات وكيف أن هذه المهنة مربحة خارج الوطن، وفهمت أنها خارج الاهتمام داخل الوطن...
وتذكّرت يوما رأيت فيه إعلانا عن تعلّم لغات البرمجة (بالمقابل المالي طبعا) مُعلَّقا في أروقة قسم الإعلام الآلي (أي قسم تعليم البرمجيات!) في جامعة من أكبر جامعاتنا...
وتذكّرت أيضا مئات الإعلانات في كليّة الطّب عن تعلّم طريقة العلاج هته أو تلك.. وكليّة الهندسة عن استعمال أداة الرّسم هته أو تلك.. وكليّة علم النّفس وكليّة علوم الأرض وكليّة الكيمياء والفيزياء وباقي كليّاتنا التي مَنُوطٌ بها تعليم كلّ هذا.. لكنّ الطّالب وحتّى المتّخصّص الحاصل على شهادة من هذه الكليّات يلتحق بهذه الدورات وينفق الأموال في دروس يقدّمها أحيانا أناس ليسوا جامعيين أصلا!؟
وهنا نلمس مفارقة غريبة أركانها الشّهادة والتّعليم والمعرفة!
فالطّالب في الجامعة يبحث عن الشهادة غير مبال بمعرفة كانت أم لم تكن، ففي سبيل هذه الشّهادة قد يسلك طريق التعليم بشِقَّيه المقرّر والذّاتي (وهو مذهب أهل النية والطيبة، وهم قليل!) وقد يسلك طريق الغشّ أو المقايضة أو القفز أو الزّحلقة أو الطّيران أحيانا (وهو مذهب الشّطار، وما أكثرهم!) وكلّ هذا بتواطؤ من الأستاذ الذي وجد راحته وسكينته بتكرار مقرّرات من زمن ألف ليلة وليلة يمثّل بها دور المدرّس ليبرّر راتبه الذي يتقاضاه آخر الشّهر..
وبعد الحصول على الشّهادة.. يجد الطّالب نفسه أمام جهل مذقع وظلمات بعضها فوق بعض.. فيبحث عن المعرفة بعد الشّهادة التي ينبغي أن تكون مُتوِّجة للمعرفة لا قبلها.. فيسلك طريقا آخر لا يخلوا من القفز والزحلقة والطيران.. عن طريق أشباه المعلّمين في أشباه الدّورات التي تجعل منهم أشباه خبراء يلوكون المصطلحات ويتشدّقون بفتات المعرفة التّي تخدع السّاذج وتستحمر الزّبون وتبقي على جهل الجاهل..
وبين الشّهادات على معرفة معدومة.. والمعرفة السطحية بكلمات لا معنى لها.. ضاع التعليم وانصرف عنه الطالب والأستاذ..