معرض لعارضات السيارات

كم كانت دهشتي عارمة لدى زيارتي لمعرض السيارات هذا العام في مدينتنا التي لا تنام! والدهشة مزدوجة لسببين:
السبب الأول هو عدم التناسق والفوضى العارمة في هذا المعرض.. ففي اوروبا تقام هذه المعارض في مساحات شاسعة تمكنك من التجول بحرية وتأمل السيارات والتمتع بأشكالها ثم مشاهدة جمالها من الداخل بكل حرية وأريحية.. 
لكن عندنا.. لابد من أن تصطدم بمائة شخص وعشرة سيارات قبل أن تصل إلى السيارة التي تريدها. وغالبا ما لا تجد لا لوحة بها مميزات السيارات، ولا عارضا ولا عارضة محترمة تشرح لك بموضوعية -أو حتى بذاتية البائع- ما تجنيه من شراء هذه السيارة.. ناهيك عن المطويات المرمية هناك لأيام دون وجود عامل نظافة واحد؟!
والسبب الثاني هو وفرة العارضات أكثر من السيارات، واللاتي تم اختيارهن بمعايير الجسد بالتأكيد! ماجعل أكثر الزوار يتهافتون عليهن أكثر من السيارات، مما يجعلك تشهد معاكسة بين كل معاكسة وأخرى.. وإن كان هذا التقليد موجودا في الغرب لأن ثقافتهم مبنية على الجنس والجسد، فما الداعي لاتباع هذا التقليد عندنا؟!
وما يمنعنا من استخدام العارضين بدل العارضات إن كان الهدف تعريف الناس بالمنتوج ومرافقتهم أثناء الاختيار؟ هذا هو معرض السيارات عندنا.. ناهيك عن الغش والاحتيال التجاري الذي تكلمت عنه كل الصحف فكفتنا عناء الكلام عليه.

لماذا لا أشتري حلوى عيد الميلاد؟

كل عام يطل علينا المتفلسفون بتحريم اتباع الغرب وعدم الاحتفال بأعيادهم، وعدم التقليد والتشبه بهم في رأس السنة، وينظرون ويحللون من على منابر التلفزيون، ومن على منابر المساجد.. ولكن؟
ألسنا نضع أموالنا ونستلم مستحقاتنا ونستثمرها في بنوك ربوية أسس لها الغرب الكافر المسيحي وانقدنا لها ولا زلنا ننقاد؟ ألسنا نعلم أبناءنا من المدارس التحضيرية إلى الجامعات بمناهج ومنهجيات وضعها المسيحيون وإذا اردنا التجديد لجأنا لنفس المسيحيين لتحديثها و"تأصيلها مراعاة لخصوصياتنا"؟ ألسنا نتحاكم إلى قوانين صيغت في فرنسا لنفض نزاعاتنا ونوصف جرائمنا ونرد حقوقنا، وإذا أردنا تغييرها لجأنا إلى أمريكا أو بريطانيا؟ السنا نخيط ملابسنا ونختار أشيكها للمناسبات والاستقبالات حسب الموضة الأوروبية الإيطالية والفرنسية منها، وحتى حجابنا أصبحت اجزاؤه بماركات أوروبية، وعباءلتنا تصنع في الصين وإنكلترا؟ ألسنا نضبط رزناماتنا في الأعمال والعطلات بالتقويم المسيحي -المسمى تقويما شمسيا من باب ستر العورة- وحتى عطلتنا الأسبوعية أصبحت عبئا ثقيلا علينا؟ وبعد، فإذا كانت حركاتنا وسكناتنا تقليدا للغرب في المال والقانون والسياية والتربية والعمل وكل شيء.. فلماذا تحرموننا من تذوق حلوى.. هي في الاخير مجرد حلوى تصرف من الجسم بعد سويعات من أكلها.. بينما تتغاضون عن افكار وأفعال ولدت معنا وتعيش معنا وستموت معنا.. وللأسف ستبعث معنا لتكون دليل إدانتنا وخسراننا!..

رأس السنة الهجرية

يحل علينا اليوم موعد جديد مع التاريخ.. التاريخ بمعناه الواسع والضيق.. موعد جديد، وامتحان قديم جديد، بنفس السؤال.. ماذا قدمنا؟ وإن كان رأس السنة الميلادية يسائلنا قهرا أو طوعا عن الدنيا وما فيها.. ماذا حققنا من أرباح؟ وماذا أدينا من ضرائب؟ وماذا كان حال امتحاناتنا.. و.. هذا حال الرؤوس الميلادية، فما حال الرؤوس الهجرية؟ للأسف، لقد استنسخ المسلمون هذه الحال، فصار العام الهجري لا يذكر أصحابه إلا بالمال، مال الغني الذي وجبت فيه الزكاة مع أن الزكاة تجب بالحول متى ابتدأ! ومال الفقير لدى الغني فترى السائلين يحتفلون بالعام الهجري بحصائر عند أبواب المساجد.. ونسينا أو تناسينا أن كل عام هجري قابل يطوي عاما هجريا كاملا وراءه.. فهل أدينا حق السالف حتى نحتفل بالآتي؟ هل قمنا بحقوق الأشهر الحرم، أم أن معاصينا الكبرى –بالصدفة– كانت في هذه الأشهر المعظمة؟ كم جمعة أدينا بحق من جمعات هذا العام؟ هل أدينا حق رمضان السالف وكنا من عتقاءه؟ هل رجع حجيجنا حقا مغفورين مبرورين؟ ما هي حصيلة الفرد والأمة من العام الفائت؟

ثقافة اللباس

عبر مر الأزمان، كان اللباس ثقافة وتعبيرا عن الذات والمجتمع والميولات والأفكار. وإن كان الأصل فيه ستر العورة –عند من يعترف بما يسمى العورة– وتقية البرد والحر، إلا أن اللباس عبر دائما عن أوضاع الناس ومقاماتهم، وثقافاتهم، وحتى سلوكاتهم.
فاليونان عبدوا الجسد وجماله فأبرزوا أكثر مفاتنه، والفرس عشقوا النور والنار والمعادن فعبروا عن ذلك في ألوان ثيابهم وأثقلوها بالحلي والمعادن، وأجدادنا حملوا أقمشتهم كل ألوان الفرح والتفاؤل والبهجة.
وفي العصر الحديث حمل التحرر إلينا ألبسة عارية عنوانها الشفافية، ثم ألبسة ساقطة عنوانها الباب المفتوح.. ومع كل هذا فللباس دوما معنى وقصد وتعبير..! لكن الملاحظ أحيانا في أيامنا هذه، ألبسة لا لون ولا طعم ولا ريح لها! فأنت تشاهد خمارا سابغا و جبة مرسلة ويدين مكشوفتين!؟ أو يدين مستورتين وشعرا مأتزرا وتنورة إلى نصف الساقين!؟ ثم ترى فتيات في محلات العلم بلباس الحمام؟! وفتيانا معهن بشباشب وشحاطات ونعال الجاهلية؟! عدا عن الملابس الداخلية التي صارت ترتدى فوق القمصان؟! فيا ترى.. ما تعبير هذا وما دلالات ذلك!؟؟

منزلة بين المنزلتين

من الخسران المبين الذي ليس بعده ولا قبله خسران أن يكون للمرء نصف قدم لايثبت في عالم الغيب، ونصف قدم آخر لايثبت في عالم الشهادة.. فلا هو أمن غده، ولا هو ارتاح في حاضره!
لست هنا بصدد هلوسة فلسفية صوفية أو ترف فكري متهافت، إنما في معرض وصف حال أغلبنا في حياتنا التي وإن حفلت بالخروج والدخول والذهاب والإياب، وقبض المال وصرفه، والقيام باكرا والسهر إلى بعض ثلث الليل.. وإن حفلت حياتنا بكل ذلك.. لا ترى لأحدنا أثرا فيها، ولا ترى لأحدنا سعادة أو طمأنينة أو سكينة، بل كل واحد منا يفعل كل شيء! دون أن يحقق شيئا! ويموت في نهاية المطاف بسكتة، أو جلطة، أو صدمة وهو لم ينه عملا ولم يرقد ليلة دون أن يأرقه هم الحاضر وغم الماضي، وخوف قاهر من الآتي.
ومرد ذلك كله هو أننا لم نختر طريقا للسعادة، فلا نحن من أهل الكشف، فنخلص في عبادتنا ونبرع فيها ونزهد في الدنيا، فيتحقق لنا الأمن والأمان ونحقق مجدا أبديا خالدا! ولا نحن من أهل الأسباب، فنبرع في الدنيا ونملك أسبابها ونحقق ولو مجدا دنيوا خالدا أيضا! بل نحن كـ"المعلقة"، لا طلقنا الدنيا، ولا اخترنا الآخرة.. فلنا صورة طقوس لا نصيب للعبادة منها إلا الاسم، ولنا لعب بالمال والعمران والعلوم لا نصيب للدنيا منه إلا أنه يبعدنا عن الآخرة!
وفوق هذا وذاك نسخر من أنفسنا ونسمي هذا "الاستهبال" جمعا بين الدنيا والآخرة، ونعتقد سفها وحمقا أننا قد فزنا بالدنيا والآخرة؟ وحقيقة الأمر أننا نطمع في كل الدنيا وفي كل الآخرة، ولانعمل لا لجزء من الدنيا ولا لشفاعة من الآخرة..

سيجارة العيد

مما رأيت في يوم العيد من أخبار آخر الزمان مشهد لن تراه حتى في سكاتشات ما بعد الإفطار. إنه مشهد مضحك مبكي، لا يقوم به إلا من كان أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يقيم حدود الله. ابتليت بأداء صلاة العيد خلف إمام ابتدأ المأساة بتقديم الصلاة عن وقتها بربع ساعة، ففوت الصلاة على أكثر الناس من المعذورين والمخلفين ليتحف آذاننا بعد ذلك بخطبة عصماء ليس للعيد فيها نصيب إلا قوله "هذا يوم عظيم" ؟!؟!
ليشرع بعدها في الوعيد من عذاب القبر وعذاب الآخرة مزاوجا التكبير بالبكاء والنحيب.. والناس بين غافل عن الخطبة أصلا –وما أكثرهم– وقلة مذهولة تراجع بعضها عن المقام أهو عيد أم تشييع. وهنا يأتي المشهد السينمائي الرائع للكمبارس الصامت الناطق.. شخص عليه وقار وجلباب أبيض وعمامة بيضاء يخرج من المسجد إلى بابه ويجلس في الظل منصتا للإمام أو هكذا يبدو.. ولكن.. آخذا في إشعال سيجارة ومن ثم التدخين وطأطأة الرأس تجاوبا مع الإمام في خشوع وخنوع..
فأين الخلل يا ترى، أفي هذا الإمام الذي يتفنن في تعذيب مأمومه بخطبة غير مفهومة أصلا وخارجة عن المقام وفارغة عن المضمون؟ أم في المأموم الذي تتجاذبه السيجارة والخطبة فيجمع بين الدليلين فينصت للإمام ويدخن عند باب المسجد رفعا للحرج؟ أم لباقي المأمومين الذين ارتضو لأنفسهم إماما كهذا ومأموما كذاك؟

مباوسة العيد

العيد فرصة للتسامح والتغافر ونسيان الأحقاد والضغائن، مثله مثل باقي المناسبات السعيدة كالأفراح والأعراس والولائم. وهذه الفكرة كثيرا ما نسمعها على المنابر وفي الكلمات والمواعظ، ولكن هل نفقه حقا معناها؟
العيد فرصة للتسامح الحقيقي، الذي يكون انطلاقة حقيقية لعلاقة جديدة وقودها الإخلاص والثقة والمودة، سواءا بين الأصحاب، أو الجيران، أو الأقارب. فهل يا ترى قد وفينا حق أعيادنا من هذا الجانب؟ وهل تتساقط عنا خطايانا بعدما ننفض من مجلس "المباوسة" العيدية الروتينية؟ الظاهر من أفعالنا أن لا شيء من هذا يحصل، بل تزداد أحقادنا وأدراننا وتقتصر زياراتنا في العيد على "رفع العتب".
فإذا قلنا أننا نتزاور في العيد لوجه فلان أو فلان، فقد أردفنا على أوزارنا وزر الشرك! وإن قلنا أننا نتزاور لوجه الله تعالى، فهل أمرنا ربنا بالتزاور لمعانقة الأجساد أم لملاطفة الأرواح والضمائر؟ وكيف ألقى أخي في العيد بوجه عبوس وأقول ما سلمت عليه إلا لوجه الله؟! وكيف أدعو له بالقبول من الأعمال وتقاسيم وجهي تدعو عليه برد الإسلام كله عليه لا عمله فحسب؟؟
حسبنا الله ونعم الوكيل فيمن حول الأعياد من مناسبات لبناء الأواصر إلى مجاملات لرفع اللوم والعتب.