قرآن للجن وللموتى

عجبا لحالنا مع القرآن! القرآن الذي أنزله الله على رسوله ليكون هدى للعالمين ودستور حياة ونورا للقلوب، فهو كتاب للأحياء ليحيوا به حياة طيبة، ويعمروا الأرض التي يورثها الله للصالحين من عباده. وهو كتاب حمل خطابا للمكلفين لإقامة شعائر الله وحد حدوده على عباده، وتنظيم شؤونهم في خصوصهم وعمومهم.
هذا الكتاب جعلناه نحن اليوم بجهلنا وتجهيلنا كتابا لكل شيء إلا للأحياء، جعلناه كتابا لطرد الجن وفك السحر ورفع المس، جعلناه كتابا يتلى على الموتى وفي المقابر، أما الأحياء فأصبحنا لا نرى فيه صلاحا لهم ولا رابطا له بهم؟!
ومما ابتلينا به في أيامنا أن صرنا نسمع عند بائع الكتب من ينصح أخاه أن يشتري مصحفا ليجعله في سيارته أو في منزله لأن حياته متعثرة وحظه عاثر.. فلابد أن به عينا أو سحرا! وصرنا نرى القراء يتصدرون المجالس في المآتم والمقابر ولا نتذكرهم إلا بهذا، حتى صرنا نسأل عند سماع القرآن: هل مات أحد؟
كان الأولى لمن تعثر حظه أن يفيد بما في القرآن ليصلح حاله دينا ودنيا، لا أن يضع رسمه في بيته وهو أبعد ما يكون عن معناه..
القرآن كتاب للحي قبل الميت، وخطاب للإنس والجن معا ليتدبروا معناه، وليتقوا الله قبل أن يأتينا اليقين.

لست نبيا ولا معصوما

كثيرا ما نرى في مجتمعنا متحجبات يتصرفن بوقاحة وخروج عن الأدب أحيانا، وملتحين يتفوهون بكلام بذيئ ويقومون بأفعال منافية للأخلاق، أو شيوخا يصدر منهم قول شائن أو فعل مذموم.. والحقيقة أن هذا ليس خاصا بمجتمعنا، بل هو ديدن كل المجتمعات، وخليقة كل البشر من زمن سيدنا آدم، إنه الإنسان الخطاء!
المشكلة لدينا أننا ننظر إلى الملتحي على أنه نبي مرسل، وإلى المحجبة على أنها مريم العذراء، وبالمخالفة ننظر إلى المتبرجة على أنها الخطائة الملعونة وإلى المتبرج على أنه شيطان الإنس؟ فمن أين لنا بهذا وكيف ينظر العقل السوي إلى الناس بما يلبسون؟
الحقيقة أن الملتزمة باللباس الشرعي أو الملتزم به اختارت أو اختار سلوكا في اللباس تراه أو يراه صائبا وفق عقيدة صحيحة، وهو محمود وله الحرية في ذلك، ولا ينبغي أن يتعدى بنا التحليل والتفلسف إلى أبعد من ذلك، فخلقه ومعدنه يترجمه عمله وقوله لا أقمشة مفصلة على جسده.
وليس لنا أن ننتظر منه أن يكون نبيا معصوما أو ملكا منزلا، كما لا ينبغي لنا أن نطالبه بخلع هندامه لأن سلوكا طائشا أو كلاما ما صدر منه!
علينا أن نرقى بعلاقاتنا فوق مستوى الأقمشة، ونخاطب العقول، ونطلب معدن الناس في أقوالهم وأفعالهم بمعاشرتهم، فالبصر بالعين  قاصر وليس بالميزان القويم.

رسالتك في الحياة

يتساءل الكثير منا عن رسالته في الحياة، ولماذا يحيى، وماذا يقدم في هذه الدنيا؟ وهو سؤال وجيه لكل من أدرك أننا لم نخلق عبثا، وأن الحياة ليست وليدة حظ أو خبط عشواء. وكل من لم يجل بخاطره هذا السؤال فهو غافل ينبغي أن ينتبه ويستيقظ من غفلته.
والجواب عن هذا التساؤل بسيط جدا ومعقد جدا في وقت واحد. فالسؤال ألف فيه الفلاسفة المؤلفات، وخاض فيه علماء الشريعة والأصول والتصوف. ونحن هنا بصدد الإشارة والاستئناس بكلام المحققين لإرشاد أنفسنا نحن العوام حتى لا نكون بحياتنا عابثين ولاهين.
والحقيقة أن الرسالة الأسمى لكل بني آدم في هذا الكون هو تحقيق العبودية لله بعمارة الأرض حق عمارتها بالعدل والإنصاف. وهذه رسالة عامة يشترك فيها كل البشر على اختلاف مشاربهم ومنابتهم. وتحقيقها يكون بتحقيق الرسالة الفردية التي تتفرع عنها تبعا للمنشأ والبيئة والإمكانات والوسائل والظروف المتاحة لكل واحد.
فهناك من رسالته قيادة الأمة في زمن من الأزمنة، وهناك من رسالته تجديد علم أو نشره أو تنقيحه، وهناك من رسالته إبداع بدعة حسنة فيها صلاح الناس وراحتهم وأمانهم، وهناك من رسالته تربية أولاد صالحين في مجتمع فاسد أو بيئة ظالمة، وهناك من رسالته حفظ كرامة والديه في كبرهم وعجزهم، وهناك من رسالته بر زوجته وحفظها وتهيئة الحياة الكريمة لها.
فالرسالة ليست بالحجم أو القوة أو السعة! إنما هي بالأداء والأمانة والتقوى، فما قيمة الرسالة العظيمة إذا ضيعناها فأفسدنا أمة أمام رسالة عائلية بسيطة تحفظ بها نفسا واحدة وتدخل بها السرور على قلب مؤمن؟ والجواب والتحقيق في كل هذا عند الله عز وجل، فنحن لدينا أمارات وإشارات، أما الجواب الشافي فهو عند الحساب.
فلنلزم ما ألزمنا الله به من رسالة، ولنؤدها حق أدائها، ولنتق الله فيما بين أيدينا من مسؤولية قبل أن نتطلع لمسؤوليات ربما هي خارج نطاقنا وليست موكلة لنا أصلا.

ترتيب اليوم والليلة

اليوم والليلة هما أصغر دورة في حياتك، وإذا رتبتهما ترتيبا جيدا، تمكنت من ترتيب جزء كبير من حياتك. ولترتيبهما يجب مراعاة الأولويات وإدراك المقدورات. ولإتمام ذلك علينا أن نتدرج كالتالي:
أولا، ضع الأساطين: والمقصود بالأساطين، المواعيد التي لا ينبغي تجاوزها، وما عداها يترتب بينها، وهذه الأساطين للمسلم هي الصلوات الخمس، فيومه يمتد من صلاة الصبح إلى صلاة العشاء، فما بينهما يوم كامل وما بعدهما ليلة كاملة.
ثانيا، قسم أعمالك على اليوم والليلة، فأعمالك الظاهرة لليوم، وأعمالك الباطنة لليلة.
 - فاليوم لنشاطك مع الناس، وأعمالك أمام الناس، وعلمك وعملك.
 - والليلة لأسرارك، سرك مع أهلك، وسرك مع نفسك، والأهم من هذا وذاك سرك مع ربك!
ثالثا، قسم أعمال اليوم الأهم فالأهم، وهنا تضع الوظيفة، الأكل، القيلولة، النشاط الاجتماعي، القراءة، السياحة، وكل أعمال اليوم، ونعلم أن اليوم قصير ومحدود، ولكن الأيام عديدة، فيوم للوظيفة والقراءة، ويوم للسياحة والقيلولة وهكذا.
رابعا، قسم أعمال اليل ليلة بليلة، ذلك أن النوم يأخذ معظم الليل، فيبقى النذر اليسير، اجعله ليلة لأهلك أو ساعة، وليلة لنفسك أو ساعة، وليلة لربك أو ساعة. 

العطلة

جلست أنتظر أحدهم وأنا أراقب الشارع المقابل والنهار قد انتصف، والشمس دنت بحَرِّها من العباد، وأناس يروحون ويغدون وقد نال منهم التعب والحر كل مأخذ!
وأول ما شد انتباهي تجرد بعض الناس من ملابسهم بشكل مقزز رجالا ونساءا، فالكل يوفر الحد الأدنى من الخدمات في اللباس، أقمصة مكشوفة الأكتاف والأذرع والسرة، تبابين إلى ما فوق الركبة وشحاطات لا تكاد تجمع الأقدام! ويستوي في ذلك الأطفال والكبار.. وحتى بعض الشيب.
والكل يجري وهو حامل علبا من الحلوى، أو البيتزا، أو السندويشات.. وكأني بهذا الصيف موسم للراحة حتى عن التجمل الاجتماعي واللباس المحتشم وطهي الطعام وإعداده في البيت..
تساءلت ولا زلت أتساءل عن الذي جعل لنا الصيف مرادفا لهذا كله؟ وكأننا في باقي فصول السنة عندما نعمل، ونعد الطعام في بيوتنا، ونرتدي لباسنا اللائق والمحتشم متكلفون وخارجون عن الفطرة، مع أنه لدينا عطل أسبوعية وعطل أخرى نسترجع فيها بعضا مما نستهلك من طاقاتنا ومجهودنا.. وكأن ذالك كله مُتَكلَّفٌ وخارج عن الفطرة، حتى إذا ما جاء الصيف، تحررنا من ذلك كله حتى من الحياء والحشمة.
أتساءل حقا هل كنا كذلك قديما؟ وهل الأصل حقا فينا ما نفعله في العطلة..

الشكل والمضمون (1)

الدنيا مزاوجة بين الشكل والمضمون، بين المظهر والمنكنون، بين المنطوق والمقصود، وبين المرئي والمستور. والطمأنينة والاستقرار والفلاح والنجاح لا يتأتون إلا إذا صدَّق الظاهرُ الباطنَ وتوافق المنطوق مع المقصدود وعبرت الواجهة عن المكنون. ومن أسوء ما ابتلي به الإنسان على مر العصور وتبدل الأحوال طغيان الظاهر عن الباطن، واهتمام الناس بالواجهة وتخليهم عن إصلاح الدواخل والبواطن.
إن الظاهر ينبغي أن يكون ترجمان الباطن، فكما أن الكلام باللسان هو ترجمة لما في القلب من أفكار، وكما أن اللباس مظهر لذوق الإنسان وحياءه وخُلقه، فكذلك الشكل نتيجة للمضمون في كل شيء لكل شخص سوي ومجتمع سليم وعمل متقن! لكن غالب الأحوال عكس ذلك.. فالمتتبع للكثير من أحوالنا يجد غير ذلك.
فبدل أن نشتغل بالمضمون ونترك الشكل لطبيعته يعبر عن المضمون المتقن فيكون ترجمانا صادقا وصورة وافية وفية.. اشتغلنا بالشكل دون المضمون فأخرجنا مضامين مشوهة عليلة ناقصة وأشكالا مزخرفة مبهرجة فنطازية تعبر عن الأحلام والأساطير وليس لها من المضمون إلا الوسم ورابط الاسم..

دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين

في هذه الرسالة لأستاذنا الكبير مالك بن نبي، والتي ضمنها محاضرتين ألقاهما في دمشق، يستعرض المسؤولية الملقاة على عاتق المسلم مع نهاية القرن العشرين.
والمؤلف إذ يعرض تهاوي منظومة القيم لدى الحضارة الغربية مع فقدان مبررات وجودها ورسالتها، يهيب بالمسلم أن يستلم مشعل الحضارة من جديد لينقذ نفسه من التخلف عن الركب، وينقذ الآخرين من المصير المحتوم الذي يسيرون إليه مع نفاذ المخزون الحضاري وفقدان قيم الرقي.
ومما أعجبني في هذه الورقات القليلة عددا والمتخمة بالأفكار والإرشادات، توصيفه لشروط أداء الدور المنشود حتى يتحقق الإصلاح. وفي ذلك يشبه المسلم بالماء الذي تنتظره الأرض العطشى ليرويها، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان مستواه أعلى من مستوى هذه الأرض! فلن يتحقق الإصلاح من المسلم إذا لم يرفع مستواه فوق مستوى الآخر ليرفعه إليه، أما إذا رضي بالدون فلن يزيد العالم إلا جرا للأدنى..
والسؤال الذي يحيرني، ماذا بعد مرور أكثر من أربعين عاما على رسالة مؤلفنا.. هل رفع المسلم مستواه واستلم مشعل الحضارة وبدأ في إنقاذها من الإفلاس؟