لكي تنجح.. لا تكثر، ولكن داوم

خير الأعمال أدومها وإن قلت
إن السيل العرم إذا فار وفاض لا يحرك الصخرة الصماء، بل هي من تغير وجهته وترسم له الطريق في الأرض، لكن هذه الصخرة ذاتها تتصدع وتنشق بمداومة قطرات بسيطة وخفيفة من الماء تتابع عليها فترة من الزمن. وذات هذه الصخرة تفلقها بذرة ضعيفة ضئيلة، تمد كل يوم ميليميترات من الجذور والسيقان، فقسمها نصفين أو أنصافا!
إن المداومة والإصرار على شيء، وإن كان بكمية ضئيلة وبسيطة يحقق المعجزات، ويكسر حاجز المستحيل. وليس أجدى لتحقيق الأهداف وتغيير عقليات الناس، وأوضاع المجتمع، وحال الأفراد من تراكم الأعمال الساذجة، والأشغال البسيطة.
فليس من الحكمة أن تقضي يوما أو يومين كاملين في حفظ جزء من القرآن، أو مراجعة درس من الدروس، أو إنجاز شيء من البناء، ثم تنقطع عن ذلك لأيام أو أسابيع أو لأشهر.. في حين أنك قد تحفظ أحزابا، وتراجع دروسا، و تنشئ أعمالا عظيمة إذا تراكمت لديك آية أو آيتين تحفظها كل يوم دون انقطاع، أومعلومة أو اثنتين تطالعها كل ليلة بانتظام، أو لبنة تضعها كل صباح باستمرار.
إعلم علم اليقين أن أجدى الأعمال أدومها وإن قلت، وخير الطعام ما طبخ على نار هادئة، تنضجه ولا تحرقه. فحاول قدر المستطاع أن تنجز أعمالك على مهل، وبوتيرة لا تجعلك تمل وتضجر، وداوم عليها وسترى نتائج تبهرك وتدهشك!

الامتحانات

اقترب موعد الامتحانات، وأصبح الجميع جادون، وهم لا يليق بهم الجد بتاتا، روميو وجولييت يجلسون معا دائما، لكنهم في هذه الأيام يدرسون فقط (أو هكذا نعتقد!)، يراجعون دفاتر "بقاق" المجموعة.. لأنهم لا يحضرون الدروس لأسباب تقنية!؟ لا أحد يحضر الدروس بانتظام إلا ثلة من "البقاقين" و"الأنانيش" والـ"معقدين".. وهذا حال الدنيا.. أما "القافزون" و"المتحلبون" فينتظرون اقتراب موعد الامتحانات ليطالبوا يتأجيل موعدها ريثما يسترقون السمع من "بقاق" أو "أنوشة" أو "معقد"..
لا أحب الامتحانات، لأنها تجعلنا نتظاهر بالجد، ونعتقد أن الدنيا لا تزال عادلة: من جد وجد ومن زرع حصد! مع أننا نرى الحصاد بدون بذر والناس تجد بلا جد ولا كد.
الامتحانات
علينا مراجعة نظام الامتحان، ونظام القبول، ونظام الانتقال.. سمعت أن أطفالا في سن العاشرة يمتحنون أيضا، ويطلب منهم كتابة الاسم واللقب على ورقة الإجابة، وأن هناك أوراقا ملغاة! جيد أن نربي أطفالا على "الإلغاء".. والواضح أنهم يرتبون أيضا من الجيد إلى الأسوء.. طبقية في سن العاشرة..
كل امتحان وأنتم بخير.

عن الشهادات في بلدي

لطالما انبهرت من تسميات الشهادات بدرجاتها، مهندس، ليسانس، ماجيستير، دكتوراه، وحتى الباكالوريا. ذلك أنه في زمن مضى، كان حامل الشهادة الإبتدائية يحمل من العلم والفكر ما يجعله يربي جيلا! ثم أتى علينا زمن صار حامل الشهادة الثانوية أو الباكالوريا يدير مدرسة ومؤسسة بامتياز.. لننتقل إلى مهندسين بنوا مؤسسات وأداروا شركات كبرى..
ونصل اليوم إلى زمن صار فيه حامل الدكتوراه مطالب بالتصديق على شهادته من الجامعة، لأن الشهادات تزور، وصار فيه حامل هذه الشهادة يعاني من البطالة!؟ أي والله! دكتور بطال!!؟؟ وأصبحنا نسمع عن راقصة حاملة للماجيستير؟ وأضحينا نرى ساقطين وساقطات يرتادون الجامعات..
فمن المسؤول عن هذه المهازل يا ترى؟ أهي العائلة التي أسقطت من قاموسها مفاهيم الفكر والعلم والمنطق حتى صارت الدراسة والشهادة بعيدة كل البعد عن هذه المفاهيم؟ أم هو التلميذ والطالب الذي صار يتعامل مع العل والتعليم بمنطق السوق بما يعتقده من شطارة وألاعيب؟ أم هو المعلم والأستاذ والمربي الذي أصبح يمرر كل شيء، ويقبل من المدرسة والجامعة بكل شيء، وأخلى عقله وروحه من واجبات العالم والمعلم؟ أم هو المجتمع والنظام الذي أفرغ العلم والتعليم من كل معنى، وجعل الشهادة رداءا للغث والسمين، وأضحى توزيع الشهادات كتوزيع السكن، يخضع للكوطات وللضغط الإجتماعي؟
لقد ضاع زمن الشهادة، منذ ضاعت الشهادة.. واللبيب بالإشارة يفهم.

لكي تنجح.. اخسر لنفسك خير من أن تنجح للآخرين

أول المحذورات التي نقع فيها دون أن نعبأ في طريقنا للبحث عن النجاح والسعادة هي الاغترار بالآخر، فكيف ذلك؟
إن رؤيتنا للآخر دائما ما يشوبها إحساس غير سوي بالغيرة والحسد والانبهار، إحساس يزيد وينقص من شخص لآخر، ويدفعنا أحيانا إلى محاولة التلبس بما وصل إليه وفعله هذا الآخر لا لقناعتنا بصوابه، بل لفائدة جانبية جناها هو من مديح الناس، أو مصلحة حصل عليها، أوميل نفوسنا لصفة خلقية فيه لم يأت بها هو، وإنما وهبت له كجمال وحسن صوت.
وهذه المحاولة لتقليده ومحاكاته تصبح بمرور الوقت هدفنا ومسيرتنا، ونربط نجاحنا بمقدار تشبهنا به! وغالبا من نفشل في ذلك، فنسقط في دوامة من لوم النفس أو المغالاة والمكابرة والإصرار على الخطأ، فنخسر أكثر مما كنا نطمح لتحقيقه.
إن النجاح لا ينبغي أن يدفعه شيء غير رغبتنا في العيش بسلام مع ذواتنا بالدرجة الأولى ومع محيطنا إذا استطعنا لذلك سبيلا. فلأن نخسر لأنفسنا خير من أن ننجح لغيرنا، إذ يكفينا شرف المحاولة، والشعور بالانتماء لما نؤمن به.

بائع المطلوع

أركب سيارتي، وأتوجه إلى شاطئ أو غابة أو بحيرة. . أقود سيارتي ببطء لتتمتع عائلتي بمناظر الخضرة وحقول القمح والخضر والفواكه على أنواعها.. ونقترب من مكان النزهة والاستجمام ليستقبلنا قطاع الطريق بزي حارس أو مأجر للطاولات أو قابض لأموال الناس بالباطل!
وأمر أحيانا دائما بطفل أسمر أو طفلة ودعت سمات البراءة وهم يقفون أو يجلسون بجانب سلة فيها بضع خبزات أو بيضات، أو إبريق شاي! ينتظرون هذا السائق أو ذاك ليشتري خبزة، أو بيضتين، أو كأسا من الشاي..
هي متطلبات السياحة، والبنية التحتية للاستجمام العائلي، ونحمد الله على هذا، فهو يجعل الرحلة ممتعة وقليلة التعب والنصب، مادام هناك أطفال يهجرون المدارس والرياض، أو يجبرون على ذلك جسديا أو معنويا، ليقوموا على خدمتنا ونحن في طريق المتعة والاسترخاء!
نحن ندفع لهم المال، فهذه الخدمة ليست بالمجان! وأمثال هؤلاء الاطفال موجودون في العالم كله. وعلى كل حال، لن يتقدم قطاع الخدمات في البلاد إلا إذا انخرط فيه الصغير والكبير..
استمتعنا بالرحلة، والمطلوع الذي باعه إيانا طفل أعتقد أنه في السادسة أو السابعة من العمر. ورجعنا ونحن نقهقه على كلمة أو التفاتة أو مزحة صدرت من هذا أو ذاك.. ولكن لا أحد فينا فكر في ذلك الطفل، وهل يصح منا أن نشتري منه المطلوع فنشجعه على التجارة، ونحييه على الطريق الذي هو سائر فيه، أم نحرمه أجر يومه، وندفعه إلى أشياء أخرى.. أم أن الموضوع تافه، وأنا بكل بساطة أحشر أنفي في أمر لا يعنيني!؟؟

عن التغيير

تعرضت بالنقاش مع متفلسف مثلي إلى مسألة التغيير، وهل نبدأ التغيير من فوق، أم من تحت، أم من الجهتين؟ وكم كان نقاشنا حادا وجارحا أحيانا.. وانتهينا بطبيعة الحال إلى تشبت كل منا برأيه، كما هي عادة النقاشات في البلدان المتخلفة!
وعندما راجعت نفسي، وجدت أنه من الضروري أولا أن نسأل أنفسنا سؤالا مهما وجوهريا قبل أن نخوض في كيفية التغيير.. وهو "هل هناك ضرورة للتغيير؟" وهو سؤال وإن كان ساذجا وتافها في رأي البعض، أو ربما الكل، من منطق أن كل واحد منا سيرد ويقول نعم! وبالقطع والجزم! لابد من التغيير! ونحن بحاجة إلى التغيير.. فهل هذا صحيح؟ وهل نحن بحاجة حقا إلى التغيير؟
لتبتعد قليلا عن النظريات، والمعطيات، والأرقام، وأحاديث الكتب والجرائد. والتي تجزم جزما أن التغيير ضروري، لأن مجتمعنا، واقتصادنا، وسياستنا، وتربيتنا، وتعليمنا، وكل جانب من جوانب حياتنا يحيد يوما بعد يوم عن النظام والميزان. ولكن؟ هل هذا كاف ليكون التغيير ضرورة؟ الجواب قطعا لا. لأن التغيير لا يكون ضرورة ملحة إلا إذا أحس المجتمع بذلك، لا علما وترديدا كالببغاوات، وإنما واقعا وإدراكا. والحقيقة على الأرض تقول عكس ذلك، فكل واحد منا راض بدرجة أو بأخرى بالوضع القائم، وفي قرارة نفسه يتمنى دوامه لأنه متنفع منه. ومهما حاولت النخبة الدفع به إلى التغيير، فلن يجدي ذلك نفعا لأنه مقتنع بصلاح هذا الوضع مقابل أي وضع متشكل جديد.
فالشاب راض بالانحلال والتفسخ لأنه يلبي نزوة كامنة فيه يسميها تحررا. والتاجر راض بالرشوة والفساد لأنه يزيد من دخله ويعفيه من واجباته للدولة من باب حرية السوق وأن البركة في التجارة. والمعلم راض بتدني مستوى التعليم، والتلميذ راض بانحطاط أساليب التلقين والتقييم، والإمام راض، والمسؤول راض، والكل راض، وإن كان يلعن ويشتم ويسب!
إن التغيير لن يتحقق إلا إذا أيقنت الغالبية أن الوضع الحالي لا يمكن إلا أن يكون الأسوأ، ورأت هذا اليقين عين اليقين، عندها فقط، يبدأ التغيير، ولا يهم حينها من أين نبدأ. أما ونحن جميعا متواطؤون، فلنشتغل بالتنظير والنظريات، نبيع كلاما ونشتري آخر.

كلام نواعم.. في عيد المرأة

قادني بصري العليل إلى عيادة طب العيون لفحص روتيني كانت والحمد لله نتيجته طيبة. وأثناء انتظاري لدوري الذي طال نوعا ما، أجبرت على التمتع بأحاديث النسوة اللواتي كن ينتظرن أدوارهن في الفضاء المخصص لهن، والذي لا يفصل بينه وبين فضاء الرجال سوى ستار خشبي يستر الصورة ولا يحجب الصوت!
ورغم علمهن بوجود رجال على الضفة الأخرى للقاعة، إلا أنهن انهمكن في أحاديث غارقة في العمق والاسترسال. والحق أقول: لم يكن في أحاديثهن ما يجانب الأدب أو اللياقة، ولكن المواضيع التي تناولنها، تنم عن غزارة معرفة المرأة الجزائرية، وتخطيها للمطبخ وأحاديث الحلاقات وبطلات المسلسلات.
لقد شد اتباهي، وانتباه البعض ممن كان معي تنوع المعارف التي تتناولها المرأة بتعمق، وتحليل.. وثقة لا تضاهى! فقد كان الحديث يدور عن خبايا السياسة، وأخبار الرئيس، وكواليس الانتخابات، ثم عن الناخب الوطني وأحوال المنتخب والكرة الجزائرية، ثم عن جغرافية وهران التي اتضح لي أني أجهل الكثير من مغاورها ودواويرها وأسمائها، ثم عن سياسة التعليم، وقوانين التربية، وأحوال المدرسة الجزائرية وبرامجها! لتحتل في الأخير بعض المواضيع النسائية فواصل بسيطة كفوائد هذه العشبة أو تلك، وعادات هذه البنت أو تلك، وحكايات هذه المرأة مع جاراتها، أو كناتها (حمواتها)، وبطبيعة الحال أحوال الطبيب والطبيبة والممرضة والجارة.
وكل هذا الكم من النقاش الذي كان يحتد ويخبو، جرى والكل يتحدث في آن واحد، والكل ينصت أيضا في آن واحد! وأكثر من ذلك، في أقل من ساعة من الزمن..
فمن قال أن للنواعم كلاما ساذجا ومعرفة سطحية بالأشياء، أو أن كلامهن مدهون بالسمن والصابون؟