الدالة في الجزائر.. أقوى من الفايس بوك

ابتليت بزيارة مستشفى بالعاصمة اليوم. وكم كانت دهشتي لا توصف عندما غادرتها واسترجعت شريط الذكريات....
لقد وصلت المستشفى أول الأولين وهو قرية خاوية على عروشها، وتجولت في كل مصالحه الاستشفائية والطبية وشبه الطبية قبل أن أصل إلى المصلحة التي أريدها –وليس ذلك بغرض التجول طبعا، وإنما لأن الموظفين للأسف يتظاهرون بأنهم لا يعرفون المستشفى جيدا فيرسلونني بنظام محكم إلى موقع بعد الآخر- لأجد نفسي في الأخير قد تعرفت إلى كل العاملين المرغوب فيهم وغير المرغوبين.
وعند وصولي إلى ما أريد، وجدت قاعة الانتظار قد امتلأت عن آخرها، لأكون آخر الآخرين.. ثم تحولت بقدرة القادر عز وجل إلى أول الأولين مرة أخرى دون أن أفهم شيئا! ثم وبقدرة القادر دوما وأبدا وجدت نفسي -مع أنني أول الأولين- آخر من يدخل إلى الفحص عند الطبيب؟!
وبين الانتظار والدخول مررت والجمع الكريم بمراحل "المداصرة" النفسية كلها: الفحص المرئي، الفعل المرائي، الاشمئزاز، التعليق، ثم الكشف التام.
فأول القصيدة نظرات من الجميع إلى الجميع تتفحص الملابس والقوام والأحذية والساعات والخواتم والشعور وكل ما تصل إليه العين.. ثم يتبرع البعض ببعض الأفعال أو الأقوال من قبيل مهاتفة شخص لأتفه الأسباب، أو سؤال شخص ما عن موضوع لا علاقة له لا بالسائل ولا بالمسؤول، أو قرع للباب أو الكرسي، أو ما شايه ذلك.. عندها يعلق البعض الآخر على هذه الأفعال وغيرها من قبيل تأخر الطبيب، أو تأخر الدواء، أو تأخر الشفاء، أو التأخر العقلي.. لينطلق الجميع بعد ذلك في محادثات تكشف أسر الأسرار..
عندها أدركت، وبعد لملمة خيوط القضية أنني تعرفت على عمال المشفى، والمرضى والأطباء في أقل من نصف يوم بطريقة لا يمكن أن تكون عفوية أبدا.. وأدركت حينها أن "الدالة" أو "الانتظار" عندنا أقوى ألف مرة من الفايس بوك، وأنها قد تخطت شبكات التواصل الاجتماعي بمراحل ومراحل.. فمن قال أن التواصل الجتماعي مفقود في بلدنا؟

في ذكرى عيد المرأة

يحق للمرأة أن يكون لها عيد! ومن الظلم مصادرة هذا الحق بدعوى الشرع والعرف والأخلاق. فجعل يوم من أيام العام لتذكر المرأة ومراجعة موقف المجتمع والشرع والقانون منها شيء حسن يقبله العقل، ولا أظن مشايخنا أهل العلم يعترضون عليه أيضا؟
إنما المشكل –في نظري- يكمن في ما وراء وما قبل وما بين سطور هذا العيد!
وأول القصيدة جعل عيد المرأة اليوم الوحيد من العام الذي نتذكر فيه أن للمرأة الحق في أن تعمل لا كالرجل بل أقل منه. وهذا وإن كان إقرارا ضمنيا من الرجل والمرأة بأن للمرأة التزامات بيتية وأسرية تمنعها من العمل بدوام كامل، فلم يحدث أن طالبت به أنثى؟ لأنها إن طالبت به اعتبر ذلك انتقاصا لمكانة المرأة واعترافا منها أنها أضعف من الرجل!
إن مطالبة المرأة بالمساواة الحسابية المطلقة مع الرجل مرض ابتليت به الإنسانية من أناس هم أشد عداوة للمرأة! وأشد من ذلك في مجتمعاتنا، نجد المرأة ساكتة عن حقوق هي لها بنص العقل والشرع والعرف! وتدعي النضال في مطالب ما أنزل الله بها من سلطان. فالمرأة تسكت عن غلق المساجد في وجهها –اللهم إلا في بعض الجمع أو الأعياد ببعض المساجد- وقد كانت تصلي وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده؟ ونجدها تتغاضى عن حقها في نظرة متكاملة لوضعها في المجتمع بحيث يؤخذ قيامها ببيتها، ورعايتها لولدها مأخذ العمل خارج البيت على أنه عمل وشغل وضرورة للمجتمع لا مجرد حياة خاصة ينبغي عليها الاختيار بينها وبين الحياة المهنية؟ وفي مقابل ذلك تطالب المرأة بحرية التعري والجنس مستأسدة في ذلك باتفاقيات حقوق الانسان والحيوان، وتنسى أن الحصول على ذلك لا يستدعي يوما ولا احتفالا ولا مطالبة، بل مجرد نقص في العقل والدين والأخلاق! كما نجد المرأة تطالب بالمساواة في الميراث وتنسى أن الميراث شرع الله الذي جعل النفقة لها واجبة من الحياة إلى الممات وهي حق لها لأنها تحمل وتضع (تلد) وتنفس (من النفاس) وترضع، وتسهر وتربي وقسم لها فوق ذلك ذمة مالية خاصة! ؛ أما المساواة في الميراث فهي قسمة العبد (أو الشيطان) الذي فرض عليها العمل ولو بامتهان شرفها لكي تأكل وتشرب، ورفع عنها الكفالة بمجرد بلوغها سن البيع والشراء، وقسم لها فوق ذلك الحق لزوجها لكي يتخذ من دونها خليلات وخلانا..

معرض لعارضات السيارات

كم كانت دهشتي عارمة لدى زيارتي لمعرض السيارات هذا العام في مدينتنا التي لا تنام! والدهشة مزدوجة لسببين:
السبب الأول هو عدم التناسق والفوضى العارمة في هذا المعرض.. ففي اوروبا تقام هذه المعارض في مساحات شاسعة تمكنك من التجول بحرية وتأمل السيارات والتمتع بأشكالها ثم مشاهدة جمالها من الداخل بكل حرية وأريحية.. 
لكن عندنا.. لابد من أن تصطدم بمائة شخص وعشرة سيارات قبل أن تصل إلى السيارة التي تريدها. وغالبا ما لا تجد لا لوحة بها مميزات السيارات، ولا عارضا ولا عارضة محترمة تشرح لك بموضوعية -أو حتى بذاتية البائع- ما تجنيه من شراء هذه السيارة.. ناهيك عن المطويات المرمية هناك لأيام دون وجود عامل نظافة واحد؟!
والسبب الثاني هو وفرة العارضات أكثر من السيارات، واللاتي تم اختيارهن بمعايير الجسد بالتأكيد! ماجعل أكثر الزوار يتهافتون عليهن أكثر من السيارات، مما يجعلك تشهد معاكسة بين كل معاكسة وأخرى.. وإن كان هذا التقليد موجودا في الغرب لأن ثقافتهم مبنية على الجنس والجسد، فما الداعي لاتباع هذا التقليد عندنا؟!
وما يمنعنا من استخدام العارضين بدل العارضات إن كان الهدف تعريف الناس بالمنتوج ومرافقتهم أثناء الاختيار؟ هذا هو معرض السيارات عندنا.. ناهيك عن الغش والاحتيال التجاري الذي تكلمت عنه كل الصحف فكفتنا عناء الكلام عليه.

لماذا لا أشتري حلوى عيد الميلاد؟

كل عام يطل علينا المتفلسفون بتحريم اتباع الغرب وعدم الاحتفال بأعيادهم، وعدم التقليد والتشبه بهم في رأس السنة، وينظرون ويحللون من على منابر التلفزيون، ومن على منابر المساجد.. ولكن؟
ألسنا نضع أموالنا ونستلم مستحقاتنا ونستثمرها في بنوك ربوية أسس لها الغرب الكافر المسيحي وانقدنا لها ولا زلنا ننقاد؟ ألسنا نعلم أبناءنا من المدارس التحضيرية إلى الجامعات بمناهج ومنهجيات وضعها المسيحيون وإذا اردنا التجديد لجأنا لنفس المسيحيين لتحديثها و"تأصيلها مراعاة لخصوصياتنا"؟ ألسنا نتحاكم إلى قوانين صيغت في فرنسا لنفض نزاعاتنا ونوصف جرائمنا ونرد حقوقنا، وإذا أردنا تغييرها لجأنا إلى أمريكا أو بريطانيا؟ السنا نخيط ملابسنا ونختار أشيكها للمناسبات والاستقبالات حسب الموضة الأوروبية الإيطالية والفرنسية منها، وحتى حجابنا أصبحت اجزاؤه بماركات أوروبية، وعباءلتنا تصنع في الصين وإنكلترا؟ ألسنا نضبط رزناماتنا في الأعمال والعطلات بالتقويم المسيحي -المسمى تقويما شمسيا من باب ستر العورة- وحتى عطلتنا الأسبوعية أصبحت عبئا ثقيلا علينا؟ وبعد، فإذا كانت حركاتنا وسكناتنا تقليدا للغرب في المال والقانون والسياية والتربية والعمل وكل شيء.. فلماذا تحرموننا من تذوق حلوى.. هي في الاخير مجرد حلوى تصرف من الجسم بعد سويعات من أكلها.. بينما تتغاضون عن افكار وأفعال ولدت معنا وتعيش معنا وستموت معنا.. وللأسف ستبعث معنا لتكون دليل إدانتنا وخسراننا!..

رأس السنة الهجرية

يحل علينا اليوم موعد جديد مع التاريخ.. التاريخ بمعناه الواسع والضيق.. موعد جديد، وامتحان قديم جديد، بنفس السؤال.. ماذا قدمنا؟ وإن كان رأس السنة الميلادية يسائلنا قهرا أو طوعا عن الدنيا وما فيها.. ماذا حققنا من أرباح؟ وماذا أدينا من ضرائب؟ وماذا كان حال امتحاناتنا.. و.. هذا حال الرؤوس الميلادية، فما حال الرؤوس الهجرية؟ للأسف، لقد استنسخ المسلمون هذه الحال، فصار العام الهجري لا يذكر أصحابه إلا بالمال، مال الغني الذي وجبت فيه الزكاة مع أن الزكاة تجب بالحول متى ابتدأ! ومال الفقير لدى الغني فترى السائلين يحتفلون بالعام الهجري بحصائر عند أبواب المساجد.. ونسينا أو تناسينا أن كل عام هجري قابل يطوي عاما هجريا كاملا وراءه.. فهل أدينا حق السالف حتى نحتفل بالآتي؟ هل قمنا بحقوق الأشهر الحرم، أم أن معاصينا الكبرى –بالصدفة– كانت في هذه الأشهر المعظمة؟ كم جمعة أدينا بحق من جمعات هذا العام؟ هل أدينا حق رمضان السالف وكنا من عتقاءه؟ هل رجع حجيجنا حقا مغفورين مبرورين؟ ما هي حصيلة الفرد والأمة من العام الفائت؟

ثقافة اللباس

عبر مر الأزمان، كان اللباس ثقافة وتعبيرا عن الذات والمجتمع والميولات والأفكار. وإن كان الأصل فيه ستر العورة –عند من يعترف بما يسمى العورة– وتقية البرد والحر، إلا أن اللباس عبر دائما عن أوضاع الناس ومقاماتهم، وثقافاتهم، وحتى سلوكاتهم.
فاليونان عبدوا الجسد وجماله فأبرزوا أكثر مفاتنه، والفرس عشقوا النور والنار والمعادن فعبروا عن ذلك في ألوان ثيابهم وأثقلوها بالحلي والمعادن، وأجدادنا حملوا أقمشتهم كل ألوان الفرح والتفاؤل والبهجة.
وفي العصر الحديث حمل التحرر إلينا ألبسة عارية عنوانها الشفافية، ثم ألبسة ساقطة عنوانها الباب المفتوح.. ومع كل هذا فللباس دوما معنى وقصد وتعبير..! لكن الملاحظ أحيانا في أيامنا هذه، ألبسة لا لون ولا طعم ولا ريح لها! فأنت تشاهد خمارا سابغا و جبة مرسلة ويدين مكشوفتين!؟ أو يدين مستورتين وشعرا مأتزرا وتنورة إلى نصف الساقين!؟ ثم ترى فتيات في محلات العلم بلباس الحمام؟! وفتيانا معهن بشباشب وشحاطات ونعال الجاهلية؟! عدا عن الملابس الداخلية التي صارت ترتدى فوق القمصان؟! فيا ترى.. ما تعبير هذا وما دلالات ذلك!؟؟

منزلة بين المنزلتين

من الخسران المبين الذي ليس بعده ولا قبله خسران أن يكون للمرء نصف قدم لايثبت في عالم الغيب، ونصف قدم آخر لايثبت في عالم الشهادة.. فلا هو أمن غده، ولا هو ارتاح في حاضره!
لست هنا بصدد هلوسة فلسفية صوفية أو ترف فكري متهافت، إنما في معرض وصف حال أغلبنا في حياتنا التي وإن حفلت بالخروج والدخول والذهاب والإياب، وقبض المال وصرفه، والقيام باكرا والسهر إلى بعض ثلث الليل.. وإن حفلت حياتنا بكل ذلك.. لا ترى لأحدنا أثرا فيها، ولا ترى لأحدنا سعادة أو طمأنينة أو سكينة، بل كل واحد منا يفعل كل شيء! دون أن يحقق شيئا! ويموت في نهاية المطاف بسكتة، أو جلطة، أو صدمة وهو لم ينه عملا ولم يرقد ليلة دون أن يأرقه هم الحاضر وغم الماضي، وخوف قاهر من الآتي.
ومرد ذلك كله هو أننا لم نختر طريقا للسعادة، فلا نحن من أهل الكشف، فنخلص في عبادتنا ونبرع فيها ونزهد في الدنيا، فيتحقق لنا الأمن والأمان ونحقق مجدا أبديا خالدا! ولا نحن من أهل الأسباب، فنبرع في الدنيا ونملك أسبابها ونحقق ولو مجدا دنيوا خالدا أيضا! بل نحن كـ"المعلقة"، لا طلقنا الدنيا، ولا اخترنا الآخرة.. فلنا صورة طقوس لا نصيب للعبادة منها إلا الاسم، ولنا لعب بالمال والعمران والعلوم لا نصيب للدنيا منه إلا أنه يبعدنا عن الآخرة!
وفوق هذا وذاك نسخر من أنفسنا ونسمي هذا "الاستهبال" جمعا بين الدنيا والآخرة، ونعتقد سفها وحمقا أننا قد فزنا بالدنيا والآخرة؟ وحقيقة الأمر أننا نطمع في كل الدنيا وفي كل الآخرة، ولانعمل لا لجزء من الدنيا ولا لشفاعة من الآخرة..