النشيد الإسلامي

أتذكر النشيد الإسلامي أيام كان يتداول من يد ليد، وأيام كان حمل الشريط الإسلامي تهمة ومفسدة عظيمة تذهب بصاحبها وراء الشمس! أتذكره أيام كان الصوت جهوريا بلا إيقاع ولا صخب إلا دف خفيف أو ما شابه. أتذكره أيام كانت العناوين قليلة وقليلة جدا، والمنشدون قليلون وقليلون جدا جدا! أتذكره أيام كان المنشد أسطورة يصدح بالنشيد من أجل إعلاء كلمة الحق وهو مدرك لخطورة ذلك ولا يبغي من وراء ذلك لا شهرة ولا مالا! أتذكره أيام كان ممنوعا من التسجيل ومن العرض وحتى من الصرف!
ذلك النشيد الإسلامي الذي أعرف! وليس النشيد الذي تطغى فيه الآلة حتى أضحى المنشد لا يقبل إحياء زفاف حتى يؤتى له بالمكبرات والآلات والمازجات والكاسحات! وهو ليس ذات النشيد الذي صار أصحابه نجوما يحيون حفلاتهم في الفنادق الفاخرة المليئة بالخمر أمام السافرات بدعوى الدعوة التي أصبحت لا تمارس أمام الفقراء!
وهو حتما ليس النشيد الذي صار محفوفا بألف حق وحق فصار رفاهية في المجتمع بعدما كان سبيلا من سبل الدعوة. وأضحى احترافيا وسبيلا للعيش، بعدما كان ترفيها حلالا ولهوا مباحا. فبالله عليكم أيها المنشدون، كونوا دعاة بحق، أو خوضوا الاحترافية الكاملة بعيدا عن شعارات البديل الإسلامي والدعوة و"في سبيل الله"!

الإسلامي وغير الإسلامي

قد يكون ما أقوله الآن محرجا ودقيقا، وقد يعتبره البعض تهجما لائكيا وتعد صريح على قيم إسلامية وإيمانية لا تقبل النقاش. لكني سأبوح به رغم ذلك لأني أراه حقيقة نرفض نحن أنصار الشريعة والإسلام والحق أن نراها رغم أنها أصبحت ساطعة ناصعة. هذه الحقيقة هي أننا بإضافة مصطلح "الإسلامي" إلى نشاطاتنا وأعمالنا وأفكارنا قد حطمنا الإسلام ونسفنا مفهوم الدعوة من الصميم. فمصطلحات "البنوك الإسلامية" و"الزفاف الإسلامي" و"الحزب الإسلامي" و"الفكر الإسلامي" و"الاقتصاد الإسلامي" و"النشيد الإسلامي" ولدت من بين ما ولدت ظاهرتين:
1. خلقت قوقعتين في المجتمعات، أو تيارين "إسلامي" و"غير إسلامي" متمايزين ومتنافرين وبعيدين كل البعد عن اي تواصل فكري أو حوار من باب "كل حزب بما لديهم فرحون"، فانتقل مفهوم الدعوة من إصلاح المجتمع وجره إلى القيم الأصيلة للإسلام، إلى معركة حول تحويل فرد من هذا التيار إلى التيار الآخر أو العكس. وتحولت جهود الإصلاح من محاولة لرد الناس إلى الممارسات السليمة والرقي بالمجتمع إلى درجات الكمال، إلى محاولة إثبات للذات، وفرض لأيقونات وشعارات هي بالأساس فهم محدود وتعصب للرموز والأسماء.
2. كما أنها احتجزت الإسلام ضمن فهم معين لطائفة معينة فقولبته في قالب خاص، إما أن تقبله كما هو، وإما أن تعتبر غير إسلامي، أو تتهم بكونك علمانيا أو ملحدا. فصار الإصلاح في المجتمع –الذي هو واجب من واجبات الإسلام- هو الإسلام كله، فصار بذلك الإسلام حزبا وتيارا في المجتمع، عوض أن يكون دينا للمجتمع. وتحول بذلك نفور الناس من الإصلاح إلى كراهية للإسلام وتمرد عليه. ولسنا نعجب بعذ ذلك أن جهود الإصلاح لا تأتي بما هو مرجو، بل بنتائج أكثر سلبية ومأساوية. إن الساعي إلى الإصلاح لا بد أن يتنصل من الدفاع عن المصطلحات، وإثبات الحق لفلان أو علان. ولا بد أن يسعى إلى إحقاق الحق ونشر الفضيلة، والناس بعدها سيتوجهون طوعا إلى التسمية الصحيحة والمعنى الحق.

الدالة في الجزائر.. أقوى من الفايس بوك

ابتليت بزيارة مستشفى بالعاصمة اليوم. وكم كانت دهشتي لا توصف عندما غادرتها واسترجعت شريط الذكريات....
لقد وصلت المستشفى أول الأولين وهو قرية خاوية على عروشها، وتجولت في كل مصالحه الاستشفائية والطبية وشبه الطبية قبل أن أصل إلى المصلحة التي أريدها –وليس ذلك بغرض التجول طبعا، وإنما لأن الموظفين للأسف يتظاهرون بأنهم لا يعرفون المستشفى جيدا فيرسلونني بنظام محكم إلى موقع بعد الآخر- لأجد نفسي في الأخير قد تعرفت إلى كل العاملين المرغوب فيهم وغير المرغوبين.
وعند وصولي إلى ما أريد، وجدت قاعة الانتظار قد امتلأت عن آخرها، لأكون آخر الآخرين.. ثم تحولت بقدرة القادر عز وجل إلى أول الأولين مرة أخرى دون أن أفهم شيئا! ثم وبقدرة القادر دوما وأبدا وجدت نفسي -مع أنني أول الأولين- آخر من يدخل إلى الفحص عند الطبيب؟!
وبين الانتظار والدخول مررت والجمع الكريم بمراحل "المداصرة" النفسية كلها: الفحص المرئي، الفعل المرائي، الاشمئزاز، التعليق، ثم الكشف التام.
فأول القصيدة نظرات من الجميع إلى الجميع تتفحص الملابس والقوام والأحذية والساعات والخواتم والشعور وكل ما تصل إليه العين.. ثم يتبرع البعض ببعض الأفعال أو الأقوال من قبيل مهاتفة شخص لأتفه الأسباب، أو سؤال شخص ما عن موضوع لا علاقة له لا بالسائل ولا بالمسؤول، أو قرع للباب أو الكرسي، أو ما شايه ذلك.. عندها يعلق البعض الآخر على هذه الأفعال وغيرها من قبيل تأخر الطبيب، أو تأخر الدواء، أو تأخر الشفاء، أو التأخر العقلي.. لينطلق الجميع بعد ذلك في محادثات تكشف أسر الأسرار..
عندها أدركت، وبعد لملمة خيوط القضية أنني تعرفت على عمال المشفى، والمرضى والأطباء في أقل من نصف يوم بطريقة لا يمكن أن تكون عفوية أبدا.. وأدركت حينها أن "الدالة" أو "الانتظار" عندنا أقوى ألف مرة من الفايس بوك، وأنها قد تخطت شبكات التواصل الاجتماعي بمراحل ومراحل.. فمن قال أن التواصل الجتماعي مفقود في بلدنا؟

في ذكرى عيد المرأة

يحق للمرأة أن يكون لها عيد! ومن الظلم مصادرة هذا الحق بدعوى الشرع والعرف والأخلاق. فجعل يوم من أيام العام لتذكر المرأة ومراجعة موقف المجتمع والشرع والقانون منها شيء حسن يقبله العقل، ولا أظن مشايخنا أهل العلم يعترضون عليه أيضا؟
إنما المشكل –في نظري- يكمن في ما وراء وما قبل وما بين سطور هذا العيد!
وأول القصيدة جعل عيد المرأة اليوم الوحيد من العام الذي نتذكر فيه أن للمرأة الحق في أن تعمل لا كالرجل بل أقل منه. وهذا وإن كان إقرارا ضمنيا من الرجل والمرأة بأن للمرأة التزامات بيتية وأسرية تمنعها من العمل بدوام كامل، فلم يحدث أن طالبت به أنثى؟ لأنها إن طالبت به اعتبر ذلك انتقاصا لمكانة المرأة واعترافا منها أنها أضعف من الرجل!
إن مطالبة المرأة بالمساواة الحسابية المطلقة مع الرجل مرض ابتليت به الإنسانية من أناس هم أشد عداوة للمرأة! وأشد من ذلك في مجتمعاتنا، نجد المرأة ساكتة عن حقوق هي لها بنص العقل والشرع والعرف! وتدعي النضال في مطالب ما أنزل الله بها من سلطان. فالمرأة تسكت عن غلق المساجد في وجهها –اللهم إلا في بعض الجمع أو الأعياد ببعض المساجد- وقد كانت تصلي وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده؟ ونجدها تتغاضى عن حقها في نظرة متكاملة لوضعها في المجتمع بحيث يؤخذ قيامها ببيتها، ورعايتها لولدها مأخذ العمل خارج البيت على أنه عمل وشغل وضرورة للمجتمع لا مجرد حياة خاصة ينبغي عليها الاختيار بينها وبين الحياة المهنية؟ وفي مقابل ذلك تطالب المرأة بحرية التعري والجنس مستأسدة في ذلك باتفاقيات حقوق الانسان والحيوان، وتنسى أن الحصول على ذلك لا يستدعي يوما ولا احتفالا ولا مطالبة، بل مجرد نقص في العقل والدين والأخلاق! كما نجد المرأة تطالب بالمساواة في الميراث وتنسى أن الميراث شرع الله الذي جعل النفقة لها واجبة من الحياة إلى الممات وهي حق لها لأنها تحمل وتضع (تلد) وتنفس (من النفاس) وترضع، وتسهر وتربي وقسم لها فوق ذلك ذمة مالية خاصة! ؛ أما المساواة في الميراث فهي قسمة العبد (أو الشيطان) الذي فرض عليها العمل ولو بامتهان شرفها لكي تأكل وتشرب، ورفع عنها الكفالة بمجرد بلوغها سن البيع والشراء، وقسم لها فوق ذلك الحق لزوجها لكي يتخذ من دونها خليلات وخلانا..

معرض لعارضات السيارات

كم كانت دهشتي عارمة لدى زيارتي لمعرض السيارات هذا العام في مدينتنا التي لا تنام! والدهشة مزدوجة لسببين:
السبب الأول هو عدم التناسق والفوضى العارمة في هذا المعرض.. ففي اوروبا تقام هذه المعارض في مساحات شاسعة تمكنك من التجول بحرية وتأمل السيارات والتمتع بأشكالها ثم مشاهدة جمالها من الداخل بكل حرية وأريحية.. 
لكن عندنا.. لابد من أن تصطدم بمائة شخص وعشرة سيارات قبل أن تصل إلى السيارة التي تريدها. وغالبا ما لا تجد لا لوحة بها مميزات السيارات، ولا عارضا ولا عارضة محترمة تشرح لك بموضوعية -أو حتى بذاتية البائع- ما تجنيه من شراء هذه السيارة.. ناهيك عن المطويات المرمية هناك لأيام دون وجود عامل نظافة واحد؟!
والسبب الثاني هو وفرة العارضات أكثر من السيارات، واللاتي تم اختيارهن بمعايير الجسد بالتأكيد! ماجعل أكثر الزوار يتهافتون عليهن أكثر من السيارات، مما يجعلك تشهد معاكسة بين كل معاكسة وأخرى.. وإن كان هذا التقليد موجودا في الغرب لأن ثقافتهم مبنية على الجنس والجسد، فما الداعي لاتباع هذا التقليد عندنا؟!
وما يمنعنا من استخدام العارضين بدل العارضات إن كان الهدف تعريف الناس بالمنتوج ومرافقتهم أثناء الاختيار؟ هذا هو معرض السيارات عندنا.. ناهيك عن الغش والاحتيال التجاري الذي تكلمت عنه كل الصحف فكفتنا عناء الكلام عليه.

لماذا لا أشتري حلوى عيد الميلاد؟

كل عام يطل علينا المتفلسفون بتحريم اتباع الغرب وعدم الاحتفال بأعيادهم، وعدم التقليد والتشبه بهم في رأس السنة، وينظرون ويحللون من على منابر التلفزيون، ومن على منابر المساجد.. ولكن؟
ألسنا نضع أموالنا ونستلم مستحقاتنا ونستثمرها في بنوك ربوية أسس لها الغرب الكافر المسيحي وانقدنا لها ولا زلنا ننقاد؟ ألسنا نعلم أبناءنا من المدارس التحضيرية إلى الجامعات بمناهج ومنهجيات وضعها المسيحيون وإذا اردنا التجديد لجأنا لنفس المسيحيين لتحديثها و"تأصيلها مراعاة لخصوصياتنا"؟ ألسنا نتحاكم إلى قوانين صيغت في فرنسا لنفض نزاعاتنا ونوصف جرائمنا ونرد حقوقنا، وإذا أردنا تغييرها لجأنا إلى أمريكا أو بريطانيا؟ السنا نخيط ملابسنا ونختار أشيكها للمناسبات والاستقبالات حسب الموضة الأوروبية الإيطالية والفرنسية منها، وحتى حجابنا أصبحت اجزاؤه بماركات أوروبية، وعباءلتنا تصنع في الصين وإنكلترا؟ ألسنا نضبط رزناماتنا في الأعمال والعطلات بالتقويم المسيحي -المسمى تقويما شمسيا من باب ستر العورة- وحتى عطلتنا الأسبوعية أصبحت عبئا ثقيلا علينا؟ وبعد، فإذا كانت حركاتنا وسكناتنا تقليدا للغرب في المال والقانون والسياية والتربية والعمل وكل شيء.. فلماذا تحرموننا من تذوق حلوى.. هي في الاخير مجرد حلوى تصرف من الجسم بعد سويعات من أكلها.. بينما تتغاضون عن افكار وأفعال ولدت معنا وتعيش معنا وستموت معنا.. وللأسف ستبعث معنا لتكون دليل إدانتنا وخسراننا!..

رأس السنة الهجرية

يحل علينا اليوم موعد جديد مع التاريخ.. التاريخ بمعناه الواسع والضيق.. موعد جديد، وامتحان قديم جديد، بنفس السؤال.. ماذا قدمنا؟ وإن كان رأس السنة الميلادية يسائلنا قهرا أو طوعا عن الدنيا وما فيها.. ماذا حققنا من أرباح؟ وماذا أدينا من ضرائب؟ وماذا كان حال امتحاناتنا.. و.. هذا حال الرؤوس الميلادية، فما حال الرؤوس الهجرية؟ للأسف، لقد استنسخ المسلمون هذه الحال، فصار العام الهجري لا يذكر أصحابه إلا بالمال، مال الغني الذي وجبت فيه الزكاة مع أن الزكاة تجب بالحول متى ابتدأ! ومال الفقير لدى الغني فترى السائلين يحتفلون بالعام الهجري بحصائر عند أبواب المساجد.. ونسينا أو تناسينا أن كل عام هجري قابل يطوي عاما هجريا كاملا وراءه.. فهل أدينا حق السالف حتى نحتفل بالآتي؟ هل قمنا بحقوق الأشهر الحرم، أم أن معاصينا الكبرى –بالصدفة– كانت في هذه الأشهر المعظمة؟ كم جمعة أدينا بحق من جمعات هذا العام؟ هل أدينا حق رمضان السالف وكنا من عتقاءه؟ هل رجع حجيجنا حقا مغفورين مبرورين؟ ما هي حصيلة الفرد والأمة من العام الفائت؟