ثقافة اللباس

عبر مر الأزمان، كان اللباس ثقافة وتعبيرا عن الذات والمجتمع والميولات والأفكار. وإن كان الأصل فيه ستر العورة –عند من يعترف بما يسمى العورة– وتقية البرد والحر، إلا أن اللباس عبر دائما عن أوضاع الناس ومقاماتهم، وثقافاتهم، وحتى سلوكاتهم.
فاليونان عبدوا الجسد وجماله فأبرزوا أكثر مفاتنه، والفرس عشقوا النور والنار والمعادن فعبروا عن ذلك في ألوان ثيابهم وأثقلوها بالحلي والمعادن، وأجدادنا حملوا أقمشتهم كل ألوان الفرح والتفاؤل والبهجة.
وفي العصر الحديث حمل التحرر إلينا ألبسة عارية عنوانها الشفافية، ثم ألبسة ساقطة عنوانها الباب المفتوح.. ومع كل هذا فللباس دوما معنى وقصد وتعبير..! لكن الملاحظ أحيانا في أيامنا هذه، ألبسة لا لون ولا طعم ولا ريح لها! فأنت تشاهد خمارا سابغا و جبة مرسلة ويدين مكشوفتين!؟ أو يدين مستورتين وشعرا مأتزرا وتنورة إلى نصف الساقين!؟ ثم ترى فتيات في محلات العلم بلباس الحمام؟! وفتيانا معهن بشباشب وشحاطات ونعال الجاهلية؟! عدا عن الملابس الداخلية التي صارت ترتدى فوق القمصان؟! فيا ترى.. ما تعبير هذا وما دلالات ذلك!؟؟

منزلة بين المنزلتين

من الخسران المبين الذي ليس بعده ولا قبله خسران أن يكون للمرء نصف قدم لايثبت في عالم الغيب، ونصف قدم آخر لايثبت في عالم الشهادة.. فلا هو أمن غده، ولا هو ارتاح في حاضره!
لست هنا بصدد هلوسة فلسفية صوفية أو ترف فكري متهافت، إنما في معرض وصف حال أغلبنا في حياتنا التي وإن حفلت بالخروج والدخول والذهاب والإياب، وقبض المال وصرفه، والقيام باكرا والسهر إلى بعض ثلث الليل.. وإن حفلت حياتنا بكل ذلك.. لا ترى لأحدنا أثرا فيها، ولا ترى لأحدنا سعادة أو طمأنينة أو سكينة، بل كل واحد منا يفعل كل شيء! دون أن يحقق شيئا! ويموت في نهاية المطاف بسكتة، أو جلطة، أو صدمة وهو لم ينه عملا ولم يرقد ليلة دون أن يأرقه هم الحاضر وغم الماضي، وخوف قاهر من الآتي.
ومرد ذلك كله هو أننا لم نختر طريقا للسعادة، فلا نحن من أهل الكشف، فنخلص في عبادتنا ونبرع فيها ونزهد في الدنيا، فيتحقق لنا الأمن والأمان ونحقق مجدا أبديا خالدا! ولا نحن من أهل الأسباب، فنبرع في الدنيا ونملك أسبابها ونحقق ولو مجدا دنيوا خالدا أيضا! بل نحن كـ"المعلقة"، لا طلقنا الدنيا، ولا اخترنا الآخرة.. فلنا صورة طقوس لا نصيب للعبادة منها إلا الاسم، ولنا لعب بالمال والعمران والعلوم لا نصيب للدنيا منه إلا أنه يبعدنا عن الآخرة!
وفوق هذا وذاك نسخر من أنفسنا ونسمي هذا "الاستهبال" جمعا بين الدنيا والآخرة، ونعتقد سفها وحمقا أننا قد فزنا بالدنيا والآخرة؟ وحقيقة الأمر أننا نطمع في كل الدنيا وفي كل الآخرة، ولانعمل لا لجزء من الدنيا ولا لشفاعة من الآخرة..

سيجارة العيد

مما رأيت في يوم العيد من أخبار آخر الزمان مشهد لن تراه حتى في سكاتشات ما بعد الإفطار. إنه مشهد مضحك مبكي، لا يقوم به إلا من كان أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يقيم حدود الله. ابتليت بأداء صلاة العيد خلف إمام ابتدأ المأساة بتقديم الصلاة عن وقتها بربع ساعة، ففوت الصلاة على أكثر الناس من المعذورين والمخلفين ليتحف آذاننا بعد ذلك بخطبة عصماء ليس للعيد فيها نصيب إلا قوله "هذا يوم عظيم" ؟!؟!
ليشرع بعدها في الوعيد من عذاب القبر وعذاب الآخرة مزاوجا التكبير بالبكاء والنحيب.. والناس بين غافل عن الخطبة أصلا –وما أكثرهم– وقلة مذهولة تراجع بعضها عن المقام أهو عيد أم تشييع. وهنا يأتي المشهد السينمائي الرائع للكمبارس الصامت الناطق.. شخص عليه وقار وجلباب أبيض وعمامة بيضاء يخرج من المسجد إلى بابه ويجلس في الظل منصتا للإمام أو هكذا يبدو.. ولكن.. آخذا في إشعال سيجارة ومن ثم التدخين وطأطأة الرأس تجاوبا مع الإمام في خشوع وخنوع..
فأين الخلل يا ترى، أفي هذا الإمام الذي يتفنن في تعذيب مأمومه بخطبة غير مفهومة أصلا وخارجة عن المقام وفارغة عن المضمون؟ أم في المأموم الذي تتجاذبه السيجارة والخطبة فيجمع بين الدليلين فينصت للإمام ويدخن عند باب المسجد رفعا للحرج؟ أم لباقي المأمومين الذين ارتضو لأنفسهم إماما كهذا ومأموما كذاك؟

مباوسة العيد

العيد فرصة للتسامح والتغافر ونسيان الأحقاد والضغائن، مثله مثل باقي المناسبات السعيدة كالأفراح والأعراس والولائم. وهذه الفكرة كثيرا ما نسمعها على المنابر وفي الكلمات والمواعظ، ولكن هل نفقه حقا معناها؟
العيد فرصة للتسامح الحقيقي، الذي يكون انطلاقة حقيقية لعلاقة جديدة وقودها الإخلاص والثقة والمودة، سواءا بين الأصحاب، أو الجيران، أو الأقارب. فهل يا ترى قد وفينا حق أعيادنا من هذا الجانب؟ وهل تتساقط عنا خطايانا بعدما ننفض من مجلس "المباوسة" العيدية الروتينية؟ الظاهر من أفعالنا أن لا شيء من هذا يحصل، بل تزداد أحقادنا وأدراننا وتقتصر زياراتنا في العيد على "رفع العتب".
فإذا قلنا أننا نتزاور في العيد لوجه فلان أو فلان، فقد أردفنا على أوزارنا وزر الشرك! وإن قلنا أننا نتزاور لوجه الله تعالى، فهل أمرنا ربنا بالتزاور لمعانقة الأجساد أم لملاطفة الأرواح والضمائر؟ وكيف ألقى أخي في العيد بوجه عبوس وأقول ما سلمت عليه إلا لوجه الله؟! وكيف أدعو له بالقبول من الأعمال وتقاسيم وجهي تدعو عليه برد الإسلام كله عليه لا عمله فحسب؟؟
حسبنا الله ونعم الوكيل فيمن حول الأعياد من مناسبات لبناء الأواصر إلى مجاملات لرفع اللوم والعتب.

البحر ياخذ فيهم.. وهما يقولوا يا ماحلا بروده

هذا مثل من أعماق المجتمع الجزائري: البحر يلتهم الناس ليغرقهم، وهم يقولون ما أحلى بروده! ذكرني به متدخل على القناة الإذاعية الوطنية في برنامج "واش نحكي وواش نخلي" والذي كان مخصصا للحديث عن الشكارة (أي المال) وما تفعله في الناس.. وعلى العموم هذه المقدمة ليس لها علاقة بموضوعنا!
إنما وجدت المثل معبرا عنا بكل جزئياتنا وتفاصيلنا.. إذ نتلذذ بواقعنا وحالنا ونشكر أنفسنا ويجامل بعضنا بعضا على أمانتنا وإخلاصنا وتقوانا وصدقنا وكل المحامد ما ظهر منها وما بطن -المحامد التي نحلف أنها لم تعد موجودة في أيامنا هذه! ونعتقدها في أنفسنا جمعا بين النقيضين!- ونعتقد أننا غير مكلفون بغير ما (لا) نفعله، وأن خطابات الشرع من محاسبة النفس وتلمس زلاتها وعدم اتباع الظن في إخواننا والنظر في أعمالنا وذواتنا قبل إعمال النقد والمحاسبة في غيرنا، وتلمس الأعذار لإخواننا كما نتلمس الأعذار الواهية لأنفسنا.. كل هذه الخطابات قد أعفينا منها فلا تكليف لنا بها.. وفوق كل هذا تعتقد الرفعة والعصمة والكمال والولاية أيضا؟؟ ولست أدري إن كان جهلا أم تجاهلا أم استحمارا للذات وللغير؟ إذ كيف نكون على هذا المقام العالي ولم يتأثر بنا المحيط إلا نقصا وانتقاصا، وكيف يتسلل الماء إلى عقر دارنا، وكيف نعتقد أننا قد أدينا واجبنا ونحن لا نخاطب إلا أنفسنا ولا نخاصم إلا أنفسنا؟ فهل سنستفيق حقا يوما من هذه الغفلة الميت اهلها؟ إنا لله وإنا إليه راجعون..

من دروس الفضائيات.. النعومة والخشونة

شد انتباهي فاصل إعلاني على قناة عربية فضائية عريقة. القناة معروفة بتنوعها الظاهر، وتركيزها على برامج الموضة والمسلسلات المدبلجة بكل جنسياتها. الفاصل الإعلاني يحوي إشهارين: يتعلق الأول بنعومة الأطفال التي يمنحها مستحضر تجميل للشابات الغانيات الفاتنات –أو هكذا فهمت من صور العارضات في الإعلان!– والثاني عن نعومة شوكولاتة راقية.. عفوا! لذة شوكولاتة راقية.. لحد الآن الأمر طبيعي. ولكن المفارقة تكمن في أن هذا الفاصل لم يتخلل مسلسلا تركيا أو برنامج نسائيا ناعما، وإنما ورد في منتصف حلقة حوارية ساخنة جدا عن الوضع في سوريا مع كل ما فيه من قتلى وأخبار التعذيب والقمع والمزايدة والمؤامرة وسب وشتم بين المتحاورين و.. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة، ليس عن الوضع في سوريا طبعا، وإنما عن نوع الإشهار في حلقة حوارية كهذه، هو هل تطور مجتمعنا العربي بهذه السرعة المذهلة بحيث أصبحت الشريحة المستهدفة من هذه البرامج السياسية هي ربات البشرات الناعمة والأصابع التي لا تمسك إلا بالشوكولاتة؟؟ أم هل تخنث المتابع العربي للسياسة –من كثرة الأخبار التي تمس بالشرف العربي والشهامة الإنسانية عموما– فصار من الباحثين عن البشرة الناعمة والشوكولاتة الطرية؟؟ هي افتراضات على سفهها لا ترد على هذا النوع من المزاوجة بين الحصة والإعلان. على أننا قد نجد تفسيرا منطقيا آخر لهذا الوضع إذا علمنا بأن تقديم البرنامج لم يوكل إلى مذيع من الطراز "الخشن" الذي يوحي لك بالخبر السيء قبل أن تسمعه.. وإنما كان من الجنس اللطيف الذي تستهويه أخبار النعومة ويوحي لك بالرقي واللباقة والتفاؤل أيضا! ويجعل المشاهد يميل دون أن يشعر إلى تلمس النعومة والطراوة أيضا بعيدا عن أخبار الشغب والعنف والقتل التي غطى عليها أصلا جمال المذيعة ومظهرها! فهنيئا لنا بقنواتنا وبرامجنا السياسية.

أسئلة بسيطة.. إلى الجامعيين؟

لماذا يفضل الجامعي لقب "ابن السوق" -على ما فيه من المهانة أحيانا- ويفتخر بذلك أكثر من وصف "الجامعي" المثقف النخبوي الذي يعتبره وصفا "أنوشيا" ؟؟!
لماذا يتأثر الشباب الجامعي بكل ما هو سوقي من طريقة الكلام إلى طريقة اللباس المترهل إلى الأذواق والهوايات، ويعجز عن التأثير وصناعة الموضة وصياغة أذواق الناس؟ لماذا أصبحت الجامعة -أساتذة وطلابا- تابعة للسوق في الطباع والأفكار والتفكير، وفي الأذواق -في نوعية المسلسلات والبرامج المشاهدة- بينما المفروض أن توجه هي المجتمع ككل لا السوق فحسب!؟
لماذا يدوس الطلاب على كل قيود المدرسة والثانوية من احترام للأستاذ والتزام بالهندام ومواعيد الدخول والانصراف ومتابعة المحاضرات، ويعجز عن تخطي الحجر الفكري فيبقى متلقيا لكل شيء من طريقة لبسه وقصة شعره التي يتلقاها من أسفل قاع المجتمع من الشواذ والمنحرفين المسمون زورا وبهتانا نجوما! إلى معارفه التي يتجرعها ولا يكاد يسيغها بلا تمحيص ولا نقد ولا حتى فهم في بعض الأحيان؟
لماذا يحصر الطلبة الجامعيين النضج والبلوغ في مواعدة الفتيات والصرمحة يمينا وشمالا، ويثورون على الآباء لمجرد النصيحة.. في حين يواصلون الاعنماد على آبائهم في مصاريفهم الكمالية المبالغ فيها.. مع أن أولى مراتب البلوغ والقوامة والاعتماد على النفس تأمين مصروف الجيب؟!؟!؟