خطة الأربعاء إلى الخميس..

سمعت نكتة قديما.. أن معلّما للصّبيان أملى عليهم نصّا فيه كلمة "الأربعاء".. فسأله تلميذ مُتَفَاهم: "همزة كلمة الأربعاء، على السّطر أم على الياء؟؟" فأجابه المعلّم الحذق الماهر المُلمّ بالكتابة: "دعك من الأربعاء، واجعله الخميس!"
وتأمّلت في حالنا هذه الأيام، فوجدت حالنا كحال هذا المعلّم، نهرب من مشاكلنا والمصاعب التي تعترضنا بتحويل مجرى الأمور ونقل المعارك والأحداث إلى مناطق نعتبرها آمنة وهي في الحقيقة خطر علينا من حيث لا ندري..
فمشاكلنا مع الأهل نحلّها بقطع العلاقة وإخراجهم من حياتنا.. ومشاكلنا مع العمل نحلّها بغيابنا وربما اسقالتنا.. ومشاكلنا مع الجيران نحلّها بالرّحيل.. ومشاكلنا مع الأزواج نحلّها بالطّلاق..
وأدهى من ذلك وأمرّ.. أساتذة الجامعات يختصرون ويغيّرون برامج التّدريس من مواضيع لا يفقهونها إلى بضعة أسطر يحفظونها مع أن المفروض أن يُطوِّرُوا أنفسهم لفهم البرامج لا تغيير البرنامج وحذف ما لم يفهموا..
إنّها حياتنا، فرار دائم من الأربعاء إلى الخميس.. وعقدة دائمة من الهمزة ووضعها..

هل يجوز للكافر أن يدخل المسجد؟

أثارت أحداث استقبال وهران للأساقفة وتجديد كنيستهم بحر الأسابيع الماضية موجة من التّعليقات والأحاديث والنّقاشات.. بين فتاوى مبتورة من هنا وهناك.. وأقوال للعلماء وللعامّة وسباب وشتم.. وتصدّرت خطب الجمعة سردا لأقوال العلماء وفتاويهم عن تجديد الكنائس في ديار المسلمين وحكم دخول الكافر إلى المسجد وحكم دخول المسلم للكنيسة..
ولست هنا بصدد الإفتاء والتّنظير الفقهي.. فلست فقيها ولا مفتيا.. ولست هنا بصدد التجريح أو التّعرض للفقهاء وعلماء الأمّة فهم حماة الشّرع ومعالمنا إلى معرفة الحلال من الحرام.. إنّما أخوض في هذا الباب من باب شموليّ في محاولة لقراءة واقع الأمة وحالها البائس.. فإني أكاد أجزم أننا لو استفتينا الأئمة الأربعة مالك وأبا حنيفة والشافعي وأحمد عن هذه المسائل وعَلَّمناهُم بحالنا لكان جوابهم أن لعنة الله قد حقت علينا لِما ضيعنا من دين الله!
لقد أجاز الرّسول صلّى الله عليه وسلّم دخول الكفّار إلى مسجده.. ودخل هو دور اليهود والمشركين.. ودخل الصّحابة بعده وعلماء الأمّة من السّلف بِيعَ الكفّار ومعابدهم ولم يتطاول عليهم الغوغاء ولم ينكر عليهم أحد.. ليس لضحالة علمهم أو غزارته.. ولكن لتباين مقصودهم عن مقصودنا.. وفهمهم الصّحيح لرسالة الإسلام وقصورنا عن فهم حتى قول لا إله إلا الله!
لقد كان الدّافع للأوائل إيمانٌ راسخ بالله ودينه، وعزيمة على إعلاء كلمة الله ولو ببذل النّفس، وثقة في أن هذا هو الحقّ وأنّ الله ناصر عبده.. فلم يخشوا أبدا من دعوة الكفار لهم للنّقاش أو الجدال، ولم يستحوا يوما من أن يبدؤوا كلامهم بأن يقولوا "أسلموا تسلموا.." فكانت عندهم مسائل دخول الكفّار لمسجادهم ودخولهم لمعابد الكفّار وبناء الكنائس في أرضهم مسائل محسومة بالواقع لا بالافتراض.. لأنّ تمكن الإسلام من قلوب أولئك النّصارى واليهود كان مسألة وقت.. ومن عاند الحقّ منهم فإنّهم قلة مصيرهم إلى الزّمن إمّا يجاهروا بالحرب فيهلكون أنفسهم وإمّا ينصاعوا لحكم المسلمين فيأمنوا..
أما اليوم، فنحن قوم نستحيي بديننا وكأنّه عورة نخشى انكشافها.. ونرى في الكفر رِفعة وعلوا تجعلنا نخشى من رؤية الكافر في أرضنا خشية أن يفتننا عن ديننا.. ونرى في كل كنيسة منارة لتكفير أبناءنا وبناتنا..
ذلك أنّنا أضعنا تربية أبناءنا وشبابنا على الإسلام، ورضينا بالقسمة الحالية بيننا وبينهم.. لهم دينهم ولنا ديننا.. لا نرضى لهم منّا بأحد.. ولا ضير إن لم يأت منهم أحد!.. تخلّينا عن رساليّتنا في نشر الإسلام.. وعن الدّعوة لدين الحقّ.. ولو عندنا لهذا الرساليّة وهذه الدعوة لخشي الأساقفة أن يدخلوا ديارنا مخافة الإسلام وتركوا هم بناء الكنائس في أرضنا مخافة تحويلها إلى مساجد بسلطان الدعوة والعقل لا بسلطان القوة والقهر..

في اليوم العالمي للغة العربية

تحتفل المنظّمة الدّولية باليوم العالمي للّغة العربية، ومن العجب العجاب أنّنا ونحن النّاطقون بلسان الضّاد لا نعير لهذه المناسبة وزنا!.. فكم صدّع رؤوسنا بعض القوم بالأمازيغيّة في كلّ مناسبة وبغير مناسبة، وبالحرف الأمازيغيّ والتّراث الأدبيّ الأمازيغيّ واللّسان الأمازيغي.. وهم هم الذين يحتفلون بأعيادنا التّراثية والتّاريخية بلغة موليير.. هم هم الّذين يشمئزون من حروف العربيّة ولسانها..
وممّا زاد في عجبي تصدُّر السّفارة الفرنسيّة للاحتفال باللّغة العربية في يومها؟!.. وهم الّذين حاربوها فوق القرن بعساكرهم ويحاربونها قرابة القرن بأتباعهم وأذنابهم..

عندما تتسخ العقول

تتكرّر أمامي هذه الأيّام سلوكات أعلم أنّها منتشرة.. ورأيتها من قبل.. وتحدّثنا عنها كثيرا.. لكنّي أحببت أن أجدّد الحديث عنها لأنّي لا أرى سواها.. ومن كلّ الأعمار.. شيبا وشبابا..
لقد رأيت أناسا يرمون القمامات من سياراتهم.. البارحة رأيت أمامي يدا -أحسبها لإنسان!- تخرج من نافذة السّيارة وتقذف بقارورة بلاستيكيّة على قارعة الطّريق، لتنتهي القارورة في حقل للأشجار.. ورأيت قبل يومين رجلا مسنّا أبيض الشّعر وهو ينظّف شاحنته ويرمي المناديل وأعقاب السجائر وفتات المكسّرات وكأنها مخلّفات قرود ويرمي كلّ هذا من نافذة شاحنته إلى وسط الطريق لا قارعته.. واليوم رأيت من يرمي من نافذة سيّارته كيس قمامة بأكمله!.. كيس أزرق ملفوف ومقفل يظهر من خلاله قشور البرتقال وعلب السّجائر.. لقد تكبّد الكائن السّائق عناء جمع القمامة ووضعها في كيس وإقفال الكيس.. ثم رمى بها من نافذة سيارته وهو يسير بـ80 كلم/الساعة لينفتق الكيس على الطّريق وتتبعثر القمامة التي جمعها..
النّاس مجانين وعقلاء.. فالمجنون لا حساب ولا عتاب عليه، والعاقل محكوم بعقله في أفعاله وتصرفاته.. أمّا هؤلاء القوم فلا أجد لهم تصنيفا لا في هؤلاء ولا في هؤلاء.. فلا هم مجانين لهم عذرهم.. ولا هم عقلاء يفكّرون وينطقون.. إنّ لهم عقولا متّسخة قذرة نتنة.. تجعل أفعالهم نجسة ولو غسلتهم بأمطار الأرض كلّها ما نظفوا ولا زالت ريحهم..

الدخول العثماني إلى الجزائر ودور الإخوة بربروس 1512-1543

في هذا الكتاب لصاحبه محمد دراج، نجد مادة دسمة لفترة مهمة من تاريخ الجزائر الحديث. هي فترة فاصلة بين الدولة بمفهومها القديم وبين بواكير الدولة الحديثة القائمة على الولاء للشخصية المعنوية الجامعة للقيم والتاريخ والمصير.
في هذه الحقبة المفصلية أيضا، تحولات مجتمعية هامة، تكرس مرحلة الخروج من الحضارة لعالمنا الإسلامي، ودخولنا مرحلة الركود والجمود. ففي الوقت الذي يتقدم فيه الغرب المسيحي بنهم إلى بناء الدولة والولاء والعمل على تحصيل الرتب العليا في الصناعة والعلوم، تتقوقع القبائل والمدن عندنا على المصالح الذاتية الآنية في جو مهيب من الحسد لتحطيم الأخ من أجل الظهور ولو تحت أقدام الأعداء.
من هنا كانت معجزة الدخول العثماني إلى الجزائر وبداية تكوين نواة هذا الكيان برغم قبلية وذاتية مقيتة ومتجذرة.
في هذا الكتاب نجد بعض القراءات بين السطور للعوامل التي جعلت الجزائر قوة إقليمية لقرون في ظل الدولة العثمانية، وللعوامل التي جعلت منها لقمة سائغة للاستدمار الفرنسي فيما بعد.
فقوة الدولة العثمانية وتصدي الإخوة بربروس للغرب المسيحي جعل الجزائريين يلتفون حولهم وينبذوا أصحاب النفوذ والمصالح من بينهم، لتتحول الجزائر إلى دار الجهاد في غرب المتوسط.. وما إن تلاشى هذا الهدف بضعف الدولة العثمانية ودخولها إلى مصاف الدول البروتوكولية القمعية فيما بعد، حتى تحول ولاء الجزائريين إلى القبيلة والشيخ كما كان عليه.. لينتهي الأمر بالمستدمر بينهم يأكل القبيلة بعد الأخرى والشيخ بعد الآخر.

لكي سيدي؟!

عندما كنت صغيرا، كنت أكره برامج المرأة وأراها مضيعة للوقت، وكم تمنّيت لو برمجوا عوضا عنها رسوما متحرّكة أو حتّى أفلاما.. وعندما كبرت، تَقَبَّلت الواقع، وأن للنّساء نصيب من الإعلام لشؤون جمالهم وحلاقتهم وموضتهم..
لكنّ الظّاهر أنّ تنازلي أغرى الإعلام وجعله يغيظني ويستفزّني بما هو أنكى!.. لقد وَقعَت عيني -وليتها ما وقعت- وأنا أقوم بجولتي المسائية على قنواتنا الوطنية على حصّة لم أشهد لها مثيلا قبل اليوم! ولو أنّ أحدهم حدّثني بها لاتّهمته في مروءته ودينه وعرضه! لقد كانت الحصّة حواريّة  استضاف فيها المقدّم ضيفين، أحدهما ملِك جمال! أي والله.. ليس ملِكة جمال بل ملك جمال!.. وراح يحدّثنا عن الجمال وكيف أنّه يمضي وقته في الاعتناء بنعومة بشرته وصفاء وجهه وذلك بالأقنعة والمراهم..!؟ والآخر حلّاق، لكنّه ليس حلّاقا عاديا، بل حلّاق وخبير تجميل للرّجال، يحضّرهم ليكونوا ناعمي الملمس عندما يتقدّمون لخطبة نسائهم من أهليهم -والعهدة على الحلاق فيما قال-!؟!؟
وممّا زاد في إعجابي بهذه الوصلة الهزلية في مجتمعنا الضّائع التّائه، سؤال المقدم لملِك الجمال عن مشاريعه المستقبليّة.. وكأنّه حاز شهادة جامعيّة أو مؤهّلا مهنيّا أوإجازة علميّة.. ولماذا بربّك يصلح ملِك الجمال؟ إلاّ إفساد البلاد والعباد، وإعلاء مشاريع العهر والرّذيلة وتشريع التّخنث والميوعة عند الشباب..
لك الله يا أمة حفرت قبرها وراحت ترقص فيه ورصاص عدوّها يخترقها من كل صوب..

من نواميس النفس البشرية.. لا تقترب من الفشل فتفشل

بعد أن ندرك أن للنّفس اندفاع قويّ إما للخير وإما للشّر، وجب علينا أن نوجّهها لما نراه نجاحا وخيرا.. والأمر هنا يختلف من شخص لآخر بحسب طبيعته وظروفه وخلفياته ومحيطه.. وكلّ ذلك منوط بالفرد نفسه، عليه أن يجتهد ليعرف مواطن ضعفه وقوته ومداخل نفسه وشهوته.. ولا يتأتّى ذلك إلا بالتّأمل في الأفعال ومراقبة النّفس وتحليل التّجارب والمواقف..
فمن لمس من نفسه عادة سيّئة مثلا، وأراد الإقلاع عنها، فلينظر في نفسه ولينظر حوله كلّما أقدم عليها أو اشتاقت نفسه إليها، ليحدّد المحفّزات التي تدفعه إليها والطّريق الذي يوصله إليها، لأنّه لا سبيل للإقلاع عنها إلّا بتغير الطّريق المؤدّي إليها.. فإن كانت الوحدة مقدّمة لهذه العادة ليلزم الصّحبة والأهل، وإن كان القلق يؤدّي به دائما لهد العادة فليعمل على احتواء هذا القلق والابتعاد عن أسبابه، وإن كان هناك صاحب أو صديق هو من يدفعه لهذه العادة كلما التقى به فليواجه ضعفه ويحاول إصلاح هذا الصّاحب أو ليقطع علاقته به! وإن كان الفراغ ملازما لهذه العادة فليملأ وقته قبل أن يفرغ بالتخطيط واستباق الفراغ قبل أن يحصل، وإن كان محيطه مستفزا ويدفعه للسيئ فليهاجر أو ليرحل!..
وليعلم أن العادة سيئة كانت أم حسنة هي نتاج تكرار وتكرّر أسباب، فمن أراد العادة الحسنة فليهيء لها أسبابها، ومن أراد قطع العادة السيئة فليقطع عنها أسبابها.