نواميس النفس البشرية.. خفاء الارتباط

من أسباب إعراضنا عن نواميس النّفس خفاء ارتباطها، وخفاء مظاهرها ونتائجها.. ولنضرب على ذلك مثالا: عندما يرمي أحدهم نفسه من مكان شاهق، فتنكسر رقبته ويموت! يدرك الجميع أنّه خرق قانونا من قوانين الكون، ويدرك أنّ هذا الموت هو نتيجة حتميّة للتّردي من الأعلى، ويستوي في ذلك عالم الفيزياء والأمّيّ الذي لا يقرأ ولا يكتب.. ولكنّ القلّة القليلة من النّاس من يمكنه الخوض في الأسباب التي دفعت هذا الشخص لأن يرمي بنفسه، وما الذي جعل إنسانا عاقلا يصل لهذا الفعل الشّنيع,,
ولإن كان علم النّفس قد خاض في هذه الأمور، ودقّق في أسرار النّفس البشرية، إلاّ أنّ تصدّي الملاحدة وأعداء الدّين لها العلم النّفيس جعل ملاحظاتهم ونتائجهم تدور حول تدوين الظّواهر وتقنين السّلوكات البشرية دون التّفريق بين السّوي منها وغيره، حتى وصل بهم المطاف إلى تدوين المثلية والشّذوذ الجنسيّ على أنّه سلوك طبيعيّ؟!
ولسنا هنا بصدد الخوض في علم النّفس أو المزايدة عليه، إنّما نريد أن نستشفّ منه بعض الملاحظات التّي تفيدنا في تقويم سلوكنا والسير في طريق النّجاح وتقويم إخفاقاتنا واعوجاجاتنا.

العيش المشترك.. (2)

لقد أظهر العيد على بركته وقدسيته مساوئ مجتمعنا وعيوبه من حيث العيش المشترك واحترام الآخر. لقد أضحينا في زمن لا يهتم الواحد منّا إلا بنظافة منزله من الداخل، أما خارج بيته، فلا يأبه إن جرّ الأدران والأوساخ إلى جيرانه وكلّ من يعيش معه في الحي..
عندما نتصرّف كأفراد لا يربطنا إلا رمز الوطن وشعار الدولة وحبر القانون: نذبح أضاحينا ونريق الدّماء على البلاط حتى يتعفن أمام منازلنا.. نرمي بجلد خروفنا عند باب جارنا في العراء دون كيس أو مُطهّر أو ملح.. ندفع الأوساخ وبعر الخروف بالماء والمكنسة ليجري عند باب جارنا لنتّهم الجار بعد ذلك في نظافته وطهارته.. نُخرج قماماتنا وفضلاتنا في أشباه أكياس ممزّقة فتنهشها الكلاب والقطط وتجري بها في الشّوارع تنقلها من زقاق إلا زقاق.. وعندما نريد أن نُخلّص أنفسنا من كلّ هذا، نحمل كلّ فضلاتنا في السيّارة ونرمي بها في أقرب نقطة فوضوية أمام عمارة سكنيّة أو في حيّ آخر لنبتليه بِبَلاوِينا!!!
هذا هو العيش المشترك لأمّة التّوحيد والإيمان والعبادة؟!

العيش المشترك.. (1)

تُظهر بعض المناسبات مدى مقدرة الأفراد على العيش المشترك.. هذا العيش المشترك الذي يعتبر من معايير تطوّر المجتمع حضارته.. فتقدّم المجتمع وتصنيفه كمتحضّر ومتخلّف لا علافة له بمدى انتشار التّكنولوجيا والأموال والسّيارات الحديثة.. بل بمقدرة أفراده على إعطاء صورة جماعية سليمة لمجموعتهم البشرية..
ولا يتأتّى ذلك إلا بمجموعة قيم تنظّم العلاقة بين الأفراد من جهة وعلاقة الأفراد مع المحيط.. من هذه القيم احترام المحيط بالحفاظ على المساحات الخضراء والاعتناء بها ولم لا إنشاؤها وتهيئتها، وعدم رمي النّفايات المنزلية بها ووضع القمامات في الأماكن المخصّصة لذلك.. ومن هذه القيم كذلك، احترام الجار بعدم التعدي على حيزه الخاص، وعدم رفع الصوت والامتناع عن الضوضاء باكرا أو في المساء.. ومن هذه القيم الاهتمام بالحياة العامة من تنظيم للنّشاطات وتسيير للموارد المشتركة من مياه وكهرباء..
هذه القيم التي تبنى عليها الحضارة الحديثة اعتنى بها آباؤنا عندما أنشؤوا الحواضر من بغداد إلى قرطبة مرورا بالقاهرة والقيروان وبجاية وتلمسان وتيهرت.. لكنّنا اليوم أبعد عن هذه الحضارة وكأننا قوم بدائيون هم أقرب للبهائم منهم إلى البشر..

النواميس.. مبدأ من مبادئ هذا الكون

الله خالق كلّ شيء، وهو القادر على إنفاذ أمره بسبب وبغير سبب.. لكنّه سبحانه وتعالى، لحكمة يعلمها، ابتلانا بالأسباب، وشرع لنا في ديننا البحث عن الأسباب واتّخاذها في معيشتنا.. وتخضع هذه الأسباب لنواميس الكون التي أودعها الله وطلب منا اكتشافها وتقصّيها ووضع العلوم التي تُعنى بها.. من هذه النّواميس ما تعلّق بالطّبيعة، كقوانين الفيزياء والرّياضيات والأحياء وكل العلوم التّجريبية الحديثة.. ومنها ما تعلّق بالمجتمعات الإنسانيّة وغير الإنسانيّة ممّا ينتظم به سير الجماعات والمجموعات والأسراب.. ومنها ما تعلّق بالنّفس البشرية، وهو موضوع مقالنا هذا..
فكما تستيقن أنفسنا أن الخوض في النّار مهلكة للبدن، وأن التّعرض للبرد بعد حمّام ساخن يورث المرض، ينبغي لنا أن نستيقن من السنن التي أودعها الله في أنفسنا وفطر عليها غريزتنا.. وإن كان الإنسان قد خطا خطوات كبرى في هذا المجال نظريا وعلميا، إلا أنّ التزامنا بهذه السّنن يبقى مفقودا في حياتنا، فعلى الرّغم من معرفتنا بأنّ الله هو خالق قوانين الطّبيعة وقوانين النّفس، إلاّ أنّنا نحترم قوانين الطّبيعة احتراما حادّا ونحن نعلم أن الله قادر على خرقها، وندوس على قوانين النّفس متجاهلين أوامر الله باحترام كلّ قوانين الكون وكأنّ لهذه القوانين خالق آخر غير الله تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا..

مدونة أعلام ومعالم جزائرية

في خضم الزخم الرهيب من المعلومة بأشكالها المتعددة من كلمة وصوت وصورة، ووسائطها العديدة من قنوات وشبكات وهواتف، يتيه الشخص وتتجاذبه الأفكار والتيارات، وخصوصا الشباب.
فلدقائق معدودة أمام الشاشة تلفازا كان أم كمبيوترا، يجد العقل نفسه أمام أفكار تدعو للحداثة وأخرى للأصالة، وترويجا للشهوة وآخر للروح، ودعوة للتعريب وأخرى للتغريب، والشاب اليافع المقبل على الحياة المتطلع لانتماء ما يجد نفسه أمام خيارات لا يملك معها أدوات الحكم والترجيح، يسلك مسلك الاندفاع بلا بصيرة ليجد نفسه -لا قدَّر الله- مدافعا عن أفكار لا ينتمي إليها، ومنشغلا ببِناءِ بناءٍ ليس له فيه حظ ولانصيب منبهرا بزخرف الدعوة وبريقها وهي في الحقيقة زيف وبطلان.
من هنا كان توضيح الصورة لأبناءنا وإخواننا فرضا وواجبا يمليه حب الخير والدعوة إلى الحق وكشف الزيف والبهتان والباطل. ولكن، ما هي هذه الصورة التي ينبغي توضيحها؟
الصورة المقصودة هي المحيط الأدبي والبيئة التاريخية التي ينبغي أن يصوغ منها الفرد توجهاته وأفكاره ورسالته في هذه الحياة. وأقول ينبغي لأن المولود في هذه الأرض، والمنتفع من خيراتها ليس طفرة زمنية أو بدعة كونية نشازا في المد الزمني، بل هو امتداد لأزمنة متتابعة وجماعات متلاحقة عمرت هذه الأرض، ولن يكون إلا امتدادا لها، فوجب عليه معرفة بيئته ليحدد مصيره. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إذا أراد تغيير واقع وجذور هذه البيئة، عليه أن يفهمها ويحدد مواقع الخلل فيها، ومن ثم يقنع نفسه أولا، ثم غيره بعد ذلك بضرورة التغيير وصلاحه.
وعلى كل الأحوال، لا مفر له من معرفة جذوره، والتعرف على ذاته، وهو ما لا يتأتى إلا بالتوجه نحو قراءة المعالم المكانية والأعلام التاريخية التي صاغت وتصوغ بيئتنا ومحيطنا.

أحاديث عن الإسراف

نهانا الشّرع عن الإسراف في الماء ولو كنّا على نهر جار! ولقد أجاد إمام الجامع هذه الجمعة في كلامه عن الإسراف.. فنبّه النّاس إلى أنواع من الإسراف خفيّة نحسبها هيّنة وهي عند اللّه عظيمة.. ومنه كانت فكرة هذه المداخلات عن الإسراف..
الإسراف هو كلّ إنفاق أو استعمال أو استغلال لعين أو منفعة أومَورِد فوق الحاجة وزيادة عن المطلوب..
والقصد والرّشد في استغلال الموارد المعنوية منها أو المادية أساس الرّخاء والعيش الهنيء.. فاللّه خلقنا وخلق كلّ شيء بقدر.. أرضنا وماؤنا وهواؤنا وأكلنا وحتّى عواطفنا.. وليس الخلل الذي نراه والنّقص الذي نخشاه ونخافه إلاّ نتيجة سوء استغلالنا لهذا كلّه وجشعنا وطمعنا وإسرافنا.. فنأخذ حقّنا وحقّ الغير.. ونترك الآخرين في حاجة وفاقة ونقص..
والحقيقة أنّ تقسيم الموارد ليس بالأمر السّهل.. فالتّركة عظيمة والأجيال متوالية والعدد كبير.. وليس هناك قيّم أو محاسب على ذلك كلّه.. ومردّ كلّ ذلك إلى التّربية الصّحيحة السّليمة التي تتأتّى بها القسمة العادلة التي تحقق خلافة الإنسان على هذه الأرض.

العطلة

عندما يُذكّرنا أحدهم بالطّاعة والذّكر والصّلاة، والأوراد منها، نتحجَّجُ دوما بالعمل، والسّعي على العيال، وطلب الرّزق، ونتذكّر دوما أن العمل عبادة..
وما إن تحلّ العطلة حتى ننسى التّعب ونُجهد أنفسنا في تجهيز الحقائب وحمل الشّمسيات والكراسي والطّاولات والسّفر لأيّام.. ونضع المخطّطات للرّاحة والاستحمام والاستجمام.. حتّى إذا انتهت العطلة وجاء العمل من جديد وجدنا أنفسنا متعبين من جديد..
والسّؤال هنا.. ما هو حظ العبادة والطّاعة من وقت فراغنا من العمل؟ أليس حَرِيّا بنا أن نعوّض بعضاً من شغلنا من أجل الدّنيا أيّام عملنا وتعبنا بأن نجعل في أيّام العطلة أورادا من الذّكر أو الصّلاة أو قراءة القرآن.. أن نشغل بعض أيّامنا بأعمال صالحات وصدقات جاريات.. أن نمضي بعض أيّامنا في خلوات مع اللّه..
العطلة فرصة لإراحة الجسد.. لكن الرّوح لها حقها من الراحة أيضا..