إلى ماليزيا: حديقة النحل والفراشات

في مرتفعات جنتنج دائما، زرنا حديقة النّحل وحديقة الفراشات، وهي حدائق تعرض على الطّبيعة أنواع النّحل والفراشات المختلفة ما كانت منها ماليزيّة وحتى المجلوبة من المناطق البعيدة، وتعرض أيضا للبيع نماذج عنها محنّطة ومؤطّرة للذّكرى.. يجتهد البائعون في لفّها وتوظيبها لتحملها مباشرة في حقيبتك لتصل بها سالمة إلى بلدك!!.. ولا ضير من بعض الأحواض لعرض أسماك جميلة ملوّنة تحت بعض الجسور الصّغيرة لأخذ صورة هنا أو هناك للذّكرى.. كلّ شيء في خدمة السّائح واقتصاد البلد.. وحقيقة أعجبت بهذه الحدائق وبكل الحدائق في ماليزيا، بتنظيمها ونظافتها وهيئتها وخدمتها.. وكم عَلِقَ في ذهني حجم الفراشات في هذه البيئة الاستوائية، وحجم بعض الخنافس واليعاسيب الّتي ما تصوّرت يوما وجودها..

إلى ماليزيا: مرتفعات جنتينج (Genting Highland)

هي من أهمّ المواقع السّياحيّة في جولتنا، وإن كنت لا أستحبّ السّياحة في المراكز التّجارية والمحلات.. إلاّ أنّ الوصول إليها بالمصعد الهوائي، وهواءها البارد مقارنة بالمناخ الماليزي الرّطب الحارّ عموما يجعلها قبلة لا بأس بها.. غير أنّ بهذه المحطّة مدينة ألعاب لمن يهوى الألعاب والملاهي بأشكالها المختلفة حتى ألعاب الفيديو.. 
الجولة إلى المرتفعات كانت قصيرة جدا، شهدنا خلالها عظمة الإنجازات في مدينة الملاهي والمصاعد الهوائيّة وحرص أصحاب البلد على استغلال السّياحة والاستثمار في كلّ شيء حتى الصّور التّذكارية التي أضحت عادة لكلّ المزارات.. تصوير عند المدخل.. ثم إغراء وتنميق للصّورة وتأطير وبيع عند المخرج.. مضيف أو مضيفة يتصيّدون السّياح حاملين صورهم لإقناعهم بشراء الصّورة.. إنّها الرّأسمالية واستغلال الفرص.. وهي في ذات الوقت خدمة البلد وجلب العملة..

إلى ماليزيا: المطارات..

عند السّفر بعيدا، يتسنّى لك زيارة المطارات والتّعامل مع مختلف شركات الطّيران.. وبعيدا عن النّظرة المادّية الدّنيويّة الخالصة، وحتّى لا ينبري لنا أصحاب النّظرات الفلسفية حول سموّ الرّوح والفكر على المادّة والمال!!.. ينبغي تقبّل أنّ تخطّي حدود المعروف والمألوف يفتح لك باب التّقييم والنّقد..
فعندما تجد مطارا دوليا قد افتتح منذ زمن ليس بالبعيد، وقد أكل الأخضر واليابس ليرى النور، وتخطّى الآجال الواحد بعد الآخر.. ليس فيه مكان لتجلس فيه وأنت تنتظر رحلتك، وليس ذلك من كثرة المسافرين، فالخطوط قليلة، والزّبائن معدودون، ولكنّ الكراسي معدومة!.. وفي نفس المطار، لا تجد أين تشتري قنّينة ماء أو صبيرة أو غداءا.. وقبل ذلك، كنت قد سافرت مع خطوط بلدك على متن طائرة سنتحدّث عنها ربّما لاحقا..
بعد كلّ هذا، تجد نفسك في طائرة بشاشة فرديّة بها أنترنيت وأفلام وموسيقى ومعلومات دقيقة عن الرّحلة وعن الرّحلات الموالية ورؤية لخارج الطائرة كأنّك جالس عند النّافذة، ومضيفات همّهنّ إرضاء المسافر والسّهر على راحته حتّى أنّهن يُصلِحن ما أفسدته الوكالة السيّاحية فيسعين للمّ الشّمل بين المسافرين وتغيير الأماكن في سلاسة وظرف وخفّة.. ثم بعد ذلك تحطّ في مطارات كأنّها مدن أو أكبر منها قليلا.. مدن من المحلاّت والمقاهي والمطاعم ومساحات الرّاحة والصّلاة والوضوء.. وعمّال كالنّحل يقومون على النّظافة والأمن من غير ضوضاء أو صراخ أو استفزاز أو شدّ وجه وازدراء..
عندما تنتقل من هذا إلى ذاك.. تُدرك حجم الدّمار الذي جنيناه على أنفسنا بتخلّينا عن قيمة العمل وبعدنا عن المدنية وتحجّرنا وراء قيم وأخلاق صمّاء بلهاء ظاهرها العزّة والأنفة والشّموخ وباطنها الخمول والحسد والرّكون إلى النّوم والانبطاح..

إلى ماليزيا

حديثي عن ماليزيا في هذه التّدوينات لا يعدو حديث سائح قضى بها أيّاما معدودات، وقد يجد القارئ ما يخالف معرفته وعلمه بهذا البلد، وقد يجد المُقيم بهذا البلد ما أكتبه متفائلا أكثر من اللاّزم أو متشائما أكثر من اللاّزم أو مخالفا للواقع والحقيقة.. ولكنّ الخلاصة أن النّظرة لأيّ بلد لا تكتمل إلاّ برؤى مختلفة من زوايا متنوّعة ومن أبعاد ومسافات متباينة..
وعلى الرّغم من أنّ السّائح محدود المجال، لا يرى إلى ما أراده الدّليل والوكالة ولا يلج إلاّ إلى أعالي البلد وأحيائها النّظيفة ومعالمها المهيّئة.. إلاّ أنّه يستشف في هذه النّظرة الشّمولية العالية أمورا لا تتأتّى لمن هو في البلد العميق بين براثن العمل اليوميّ الشّاقّ في طاحونة الحياة اليومية القاسية.. فهذه نظرة وهذه نظرة.. والصّورة تكتمل بالنّظرتين معا..

كلوا عنب !!!!

عادة ما أستمع لإذاعة القرآن الكريم في مذياع السّيارة، وهذه المرّة وقعتُ على حصّة لست أدري ماهي؟.. فهمت أنّها تتعلّق بالتّغذية والأطعمة والصّحة عموما.. ولا ضير في ذلك.. فكم نحن بحاجة لتقديم نصائح عن الأكل الصّحي ومقدار الصّحة والمرض في الوجبات والأطعمة والأشربة المتنوّعة.. وقد كان موضوع الحلقة عن العنب.. وكنت أتوقّع أن يكون المحتوى عن فوائد العنب وفيتاميناته ومكوّناته وما يؤدّيه في الجسم عند تناوله..
لكن !! أن نُقدّم حصصا في إذاعة القرآن عن العنب كعلاج.. وأن نقول للمستمع أن الغذاء يعوض الدّواء.. وأن نُفهِمَهُ أنّ تناول العنب جائز حلال لمرضى السّكري والضّغط وأنّه لا يُنافي أيّ مرض.. بل ويُعالِجُه.. دون أن نحترز من ذلك بالتّوجيه للطّبيب وأنّ الفاصل في ذلك كلّه مراجعة الطّبيب المختص.. فهذه جريمة وليست مجرّد هفوة من مُعِدّ أو مُقدِّم أو مُحرِّر..
والأكثر جُرما أنّ تقديم حصّة كهذه في إذاعة تحمل اسم القرآن الكريم ما هو إلا مسمار آخر في نعش ما نسمّيه الإعلام الهادف.. الذي حوّلناه من إعلام هادف ينشر الفكر الصّحيح القويم إلى إعلام مشوّه ينشر الخُرافة والدّجل باسم الدين (ولست هنا أخصّ إذاعة القرآن التي نُكِنُّ لها كلّ التّقدير والاحترام بل أوجّه كلامي لكلّ قنوات الطّيف الدّيني).. وأخشى ما أخشاه يوما أن تقدّم هذه الإذاعة الدّجالين والمُشعوذين وعَقدَاتِهم وخَلطَاتِهم ورُقياتِهم الّتي ما أنزل الله بها من سلطان..
اتّقوا الله فكم من مريض يستمع إليكم وربّما خالف رأي طبيبه بمنع العنب والتّين والتّمر إلى رأيكم الّذي قد يراه أصلح لثقته فيكم فتزيد علّته ويزيد مَرَضُه..
والله المستعان والهادي إلى سواء السّبيل.

الركود والجمود... الرقاد وبيع البلاد

إنّ من أُولى أبجديّات أيّ علم أو فنّ أو ثقافة عدم الجمود وعدم الرّكود والتّحرك.. ذلك أنّ الوقوف معناه التّأخر لأن الآخرين لا يتوقّفون بل يُواصلون مسيرهم، ومتى توقّف الجميع، فاعلم أنّها السّاعة وفناء الدّنيا..
وإذا أسقطنا هذا على مجتمعنا نجد أنّ ما نعيشه هذه الأيّام من تناحر فكري وعاطفي ولفظي مردُّهُ إلى الجمود والرّكود الذي نسّميه عندنا "الرّقاد وبيع البلاد"..
فلو أنّنا طوّرنا لغتنا العربية واستعملناها في علومنا وتَعَلُّمِنا، وعلّمناها أولادنا، وغنّينا بها حتى!.. لما تجرّأ الحثالة على سبّها ونعتها بالتّخلف وربطها بالعرق والجنس وربطها ببلادٍ ليس لها حظّ منها إلاّ كما لنا أو أقل..
ولو أنّنا أولينا ديننا الأولوية في التّربية والدّعوة واقتحام ميادين العلمانيين والملحدين والتّعريف به بدل التقوقع خلف عباءات نظيفة أنيقة على كراسي المساجد المزخرفة والمكيّفة وخلف كاميرات عالية الدّقة لما تجرّأ السّفلة والسّفهاء على سبّ الدّين ونعت الحجّ بالوثنية..
ولو أنّنا أعطينا تراثنا حقّه وحقّقنا تاريخنا وهيّئنا معالمنا وعرّفنا بها العالم وابتعدنا عن ربط الأمازيغيّة بكلّ الخرافات والأساطير والنّظريّات "الخُنفُشَارِيَّة" الّتي ما أنزل الله بها من سلطان لما تجرّأ الجهلة على ركوب موجة المستدمر الفرنسي بإنكار التّواجد البشري في هذه الأرض منذ التّاريخ القديم..
ولأنّنا لا ننتج شيئا ولا نتقدّم قيد أنملة نحو المستقبل، لا همّ لنا إلاّ البحث في الخرافات والأساطير وضعيف الأقوال في الدّين واللّغة والتاّريخ لنَلُوكَهُ بألسنتنا عندما نُفيق من سباتنا بين الفينة والأخرى.. على أنّ هذا الفواق ليس للعمل لا سمح الله!.. بل هو إمّا للأكل أو للاستفراغ...

سيأتي عليك زمان..


سيأتي عليك زمان ترى فيه دنياك وقد تبدّلت وتحوّلت وصارت غير الدّنيا.. ستذكر عمًّا أو خَالًا أو عمّة أو خالة كنت تتحاشى لقياهم وتتكاسل عن  زيارتهم وتتأفّف من قدومهم إليكم.. ستذكر إخوانا وأخوات كنت تقاطعهم وتهجرهم وتشكوهم إلى القريب والبعيد.. ستذكر أبناءًا كنت شديد الغضب منهم وتتمنّى لو لم تُنجبهم.. ستذكر أبا أو أمّا كنت تنهرهم وتتضجّر منهم ومن كلامهم وفُضولهم وحبهم لك.. 
سياتي زمان.. وقد رحل من هؤلاء من رحل.. إمّا لدار الخلد أو لمنازل أخرى في هذه الدّنيا.. وقد بَدَّلُوا دارك بأخرى وألِفُوا أحباباً غيرك..
سيأتي زمان لن تنفعك صورة لهم تضعها هنا أو هناك.. ولن تنفعك رنَة هاتف بصوت هذا أو ذاك..
لن يبقى لك من دنياك إلّا أطياف..
عندها ستذكر الأجساد وتقول يا ليتني ما قُلت ولا فَعلت.. يا ليتني أدَّيت ووفّيت..
عش دنياك مع الأحباب.. قبل أن يصيروا أطيافا وذكريات..