وما دخلي بزواجهم ؟؟

لا أستطيع وصف كمّ الغمّ والهمّ الذي امتلأت به وأنا أرى قنوات عربية لبلاد تتغنّى بالإسلام وهي تبثّ على المباشر حفل زفاف لأمير بريطاني على غانية أمريكيّة وهي تنقل كل تفاصيله من قصّات شعور المعازيم إلى مقاسات تنانير السّاقطات اللّواتي حضرن هذا الحفل الذي قدمت له المذيعات بأنّه أبهج حفل مرّ بنا منذ عقود.. وأنّه أكبر حدث في تاريخ البشريّة في هذا القرن..!؟ وأصابني الغثيان والإسهال وأنا استمع إلى عبارات الثّناء والإعجاب لزوج من الفسّاق يعقد قرانه في كنيسة كانت بالأمس القريب تحرض على ذبح المسلمين واغتصاب نسائهم..!!!
أيّ وقاحة بلغناها.. بالأمس كنّا نحاربهم.. وندعوا عليهم بالثّبور.. ونقاتلهم لنخرجهم من أرضنا.. واليوم نجلس أمام التلفاز لساعات لنشهد طقوسهم ونستمتع بزيجاتهم ونتناقل أخبارهم.. إنّها العبودية والذّلّ والهوان الذي لا يليه شيئ إلا دخول جهنّم!!!
أطفال غزّة يموتون جوعا ومرضا وقهرا.. ونساؤها يدافعون عن رجال الأمة.. ورجالها بين شهيد وأسير.. ولا ذكر لهم.. وإن كان فلدقائق معدودة في خضمّ أخبار الهند وبلاد السّند..
أما زفاف العهر وأخبار الدنس فنقلها بالمباشر للسّاعات وتحت وهج الشّمس..! وفي رمضان..!!!
كل عام ونحن أمة الذل والهوان والاستعباد..

الشاميّة

الشاميّة جزء من الثّالوث الحلوانيّ الرمضانيّ للجزائريّين بالإضافة إلى الزّلابيّة وأصابع القاضي.. وإن كانت في السّنوات الأخيرة مُزَاحَمَةً من حلوياّت أخرى كالقطايف والكنافة والبقلاوة التي لم نعرفها في رمضاناتنا ربّما لأسباب اقتصادية تاريخية..
ولنا نحن الجزائريّون إضافات لهذه الأيقونة لنجعل رمضاننا أكثر تشويقا وإجلالا.. فجارنا عبد القادر يقطع الطريق السيّار ليشتري شاميّة بوعلام لأنّها الأحلى في رمضان.. أما جارنا بْلَاحَة فلا يشتري إلا شاميّة الهوّاري لأنّها رمز لرمضان في المدينة على حسب تعبيره!؟.. والأجمل من كل هذا أنّه لا بوعلام ولا الهوّاري يصنعون شاميّتهم.. بل تُوَزِّعُهَا عليهم سيّارة تجاريّة قديمة مُهترئة كلّ صباح والله أعلم في أيّ مُستودع نتن تُحَضَّرٌ هذه الشاميّة وفي أيّ ظروف!؟ خاصّة إذا علمنا أنّ بوعلام يعمل حلاّقا باقي أيام السّنة!.. والهوّاري يبيع المُطَهِّرَات ومواّد التّنظيف..؟!
ولا يخلو الحال من حلوانيِّين يبيعون هذه الشاميّة طيلة أيّام السّنة.. ويصنعونها بأيدييهم وأمام أعين زبائنهم.. ويضيفون عليها لمساتهم كطليها بالشّوكولاطة أو جوز الهند أو حشوها باللّوز.. وهم قلّة ولهم زبائنهم.. أما باقي الباعة في رمضان فهم ميكانيكيون أو خبازون أو خياطون كَسدَت تجارتهم في هذا الشّهر فخلطوا السّميد والسّكر وصاروا حلوانيّين.. صح فطوركم.

المُسَلِّيَّاتُ في أيام رمضان


لم أفهم يوما عشق بعض النّاس للفوضى والزّحام!؟ الطّوابير لا تنتهي من أمام محلّات بيع الزّلابيّة والشاميّة والمخابز طول اليوم.. السيّارات متوقّفة في الصفّ الثّاني والثّالث أمام هذه المحلات، بالرّغم من وجود المكان المتاح الذي لا يعرقل حركة ولا يزعج أحدا!!.. حركة السّير متوقّفة تماما.. والكلّ مبتهج مسرور.. هل هي المُسَلِّيَّاتُ في أيام رمضان..؟!
والغريب في الأمر هذا التواطؤ العجيب على إبطاء الحركة وخلق التّجمعات والزّحام من الجميع.. فالزّبون في المحل الفارغ تراه لا يشتري.. بل يتجاذب أطراف الحديث مع البائع عن أحوال البلد وأحوال العراق وسوريا وفلسطين وليبيا والصومال وكل بلاد العالم.. ثم ينضم الثّاني فالثّالث فالرّابع.. ولا يحلو البيع واقتناء السّلعة إلاّ عند امتلاء المحلّ وتكاثر النّاس وارتفاع أصواتهم بالشّكوى والصّياح والعِيَاطِ على بعضهم البعض.. لأّنهم صاروا بقدرة القادر على عَجَل ولهم مشاغل وحاجات يقضونها.. وهُمُ هُمُ الّذين كانوا يُلُوكُونَ الهَوَاءَ والمحلّ فارغ..
وعند مغادرتهم المحلّ لا يحلوا لهم السّير وعبور الشّوارع إلا وقد امتلأت بالسيّارات لمُزَاحَمَتِهَا والتَّبَلِّي على سائقيها وشِرَاءِ الحديث معهم أو بَيعِهِ وافتعال الشِّجَار والعِرَاك.. أما والشّوارع خالية.. فالبحث عن ظلال الجدران ابتعادا عن حرّ الشّمس لأن الصّيام أتعبهم!؟
عجيب هذا النّوع من النّاس الذي يطفح في شهر رمضان.. وتزيد أعراضه.. وإن كان لا ينقرض باقي أيام السنة..

هلال الشهر

ككل عام، يهلّ علينا الشّهر الفضيل ببركاته ونسماته الإيمانية العطرة الفوّاحة.. شهر ينتظره الكلّ وقد تلبَّسُوا بكل أسباب القبول والاستعداد للقيام والصّيام..
على حيِّنا يتهافت كلّ أهل المدينة للتّزوّد بأكياس البطاطا والبصل والثوم والجلبان وأنصاف الخرفان والدَّوّّارَات.. يغلقون علينا منافذ الحيّ كله في منظر مهيب!.. منهم من يتسوّق وهو في سيّارته، يسأل عن الأثمان ويُسَاوِم البائع ثم ينزل ليشتري ويملأ سيّارته وهو في منتصف الطّريق وخلفه زحمة سير كأنّها ليوم القيامة!؟ ولا يجوز لك الاعتراض.. فنحن على أبواب الشّهر الفضيل..
وعند البَّقَّالين، يَتَخَاطَفُ النَّاس كل ما على الرّفوف من دقيق وسميد وعجائن وعصائر وكأنّ أوَّلَ يوم من رمضان هو يوم الفناء الكبير.. وترى النّاس في هذا يسارعون ويركضون في نسق واحد وعلى قلب رجل واحد.. إنّها الوحدة التي تميّزنا والتّضامن الفطري لدى أبناء شعبنا..
أسابق نفسي كي أعود إلى البيت لعلِّيَّ أرتاح من الجري الّذي يفرض عليك في الشّوارع فرضا.. أفتح التّلفاز فأرى القنوات قد أقامت النّدوات والمؤتمرات للتعريف بمنتجاتها للشّهر الفضيل.. نعم يا سيدي! منتجات الإعلام للشّهر الفضيل.. فلا بد من مرافقة الناس في هذا الشّهر كي لا تحيد عن روحانيّة العبادة والفضيلة!.. ولك أن تتخيّل كمّية العري والفسق والابتذال في هذه المنتجات.. وفوق هذا الإسفاف برامج المقالب السّخيفة التي تستغّل عفوية النّاس وتسخر من سذاجتهم..
هذا هو رمضاننا.. بين بطن وفرج وسرير..
تذكّرت شهداء غزة ومشاريع الشّهداء فيها.. للتّسوق هناك معنى آخر.. وللإعلام عندهم هدف آخر.. ولرمضان طعم آخر..
جاء رمضان وأوًّلُ أيّامه غيث ومطر.. مطر لم ينقطع من ليلة البارحة.. ترى؟ هل يكفي لغسل العار وتطهير البلاد منّا؟
كلّ عام ورمضان شاهد علينا..

الشهادة والتعليم والمعرفة

استوقفني اليوم على أمواج الإذاعة الوطنية حديث مع مهندس في الإعلام الآلي وهو يتحدّث عن البرمجة، وكيف أنّه يقدّم دروسا للشّباب عن البرمجة لصناعة التّطبيقات وكيف أن هذه المهنة مربحة خارج الوطن، وفهمت أنها خارج الاهتمام داخل الوطن...
وتذكّرت يوما رأيت فيه إعلانا عن تعلّم لغات البرمجة (بالمقابل المالي طبعا) مُعلَّقا في أروقة قسم الإعلام الآلي (أي قسم تعليم البرمجيات!) في جامعة من أكبر جامعاتنا...
وتذكّرت أيضا مئات الإعلانات في كليّة الطّب عن تعلّم طريقة العلاج هته أو تلك.. وكليّة الهندسة عن استعمال أداة الرّسم هته أو تلك.. وكليّة علم النّفس وكليّة علوم الأرض وكليّة الكيمياء والفيزياء وباقي كليّاتنا التي مَنُوطٌ بها تعليم كلّ هذا.. لكنّ الطّالب وحتّى المتّخصّص الحاصل على شهادة من هذه الكليّات يلتحق بهذه الدورات وينفق الأموال في دروس يقدّمها أحيانا أناس ليسوا جامعيين أصلا!؟
وهنا نلمس مفارقة غريبة أركانها الشّهادة والتّعليم والمعرفة!
فالطّالب في الجامعة يبحث عن الشهادة غير مبال بمعرفة كانت أم لم تكن، ففي سبيل هذه الشّهادة قد يسلك طريق التعليم بشِقَّيه المقرّر والذّاتي (وهو مذهب أهل النية والطيبة، وهم قليل!) وقد يسلك طريق الغشّ أو المقايضة أو القفز أو الزّحلقة أو الطّيران أحيانا (وهو مذهب الشّطار، وما أكثرهم!) وكلّ هذا بتواطؤ من الأستاذ الذي وجد راحته وسكينته بتكرار مقرّرات من زمن ألف ليلة وليلة يمثّل بها دور المدرّس ليبرّر راتبه الذي يتقاضاه آخر الشّهر..
وبعد الحصول على الشّهادة.. يجد الطّالب نفسه أمام جهل مذقع وظلمات بعضها فوق بعض.. فيبحث عن المعرفة بعد الشّهادة التي ينبغي أن تكون مُتوِّجة للمعرفة لا قبلها.. فيسلك طريقا آخر لا يخلوا من القفز والزحلقة والطيران.. عن طريق أشباه المعلّمين في أشباه الدّورات التي تجعل منهم أشباه خبراء يلوكون المصطلحات ويتشدّقون بفتات المعرفة التّي تخدع السّاذج وتستحمر الزّبون وتبقي على جهل الجاهل..
وبين الشّهادات على معرفة معدومة.. والمعرفة السطحية بكلمات لا معنى لها.. ضاع التعليم وانصرف عنه الطالب والأستاذ..


التغيير.. لماذا؟

التغيير عملية تتنافى والطبيعة البشرية. فالإنسان بطبعه الخامل الكسول الجزوع يميل إلى تكرار يومه وتقليد الآخر والسير على خطى من سبقوه لما في ذلك من فوائد جمة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
  • الابتعاد عن النقد والتقريع واللوم، فيكفينا عند الخطأ أن نلقي اللوم على من سَبَقَنَا أو من قَلَّدْنا فهم المسؤولون لا نحن!
  • الراحة والسكينة وتجنب التفكير والإبداع وإهدار الوقت لدراسة الطرق الجديدة ووضع الخطط!
  • ربح المال والوقت بالسير في الطرق المعروفة بدلا من المخاطرة بدروب نجهلها ونجهل غاياتها...

هذه هي إيجابيات التكرار والتقليد، فلماذا نتغير؟ وإذا كانت هذه إرادة العقل الباطن والأنا الفردي والجمعي، فلماذا نعاكس سير الطبيعة؟
والحقيقة تكمن في هذا كله.. فالتغيير من أجل التغيير محكوم عليه بالفشل، والتغيير من أجل الغير مآله التهريج والفشل أيضا! التغيير الحقيقي الذي يُبَدِّل الوضع ويقلب الميزان هو التغيير الذي يحترم طبيعة النفس والمجتمع.. إنه التغيير الذي ينبع من الباطن والصميم، بيقين أن الوضع الآتي خير من الوضع الراهن! إنه التغيير الذي تقهر دوافعُهُ المثبطات وتتجاوز رواسبَ الركود والتقليد والتكرار بالفعل والقوة، وتفرض نفسها كضرورة بقاء للنفس أو المجتمع.
فعندما نقتنع بالعقل والقلب أن الوضع الراهن هو المضيعة للوقت والجهد، وهو المآل إلى الموت الحقيقي أو المعنوي، وهو الطريق إلى الخسران، عندما نتيقن من ذلك بِلُبِّنُا وقالبنا، عندها نبدأ في التفكير الجدي في التغيير والسعي لذلك.. فلابد قبل الشروع في تشييد البناء من هدم الأطلال والأعمدة الهشة فأي بناء فوقها مصيره الهدم..
ألم ترَ السائر في طريق، يبحث عن غيره إذا قطع عليه لص مسلح أو كلب مسعور أوسيل عرمرم؟ لأن الخطر في عينه ماثل حاضر عاجل! فإذا واصل السير في طريقه فهو إما متهور مجنون لا يعتد به وبرأيه، أو أعمى على عينيه غشاوة فهو في غفلة يوشك أن يهلك.
فإذا أراد الفرد أو الجماعة التغيير، وجب إزالة الغشاوة وتمثل الخطر حضورا عاجلا، وإلا كان التغيير عبثا لا دافع له، وكان الركود والتكاسل عنه أقوى من الدعوى إليه.

عندما تكون التكنولوجيا أكبر نقمة

حادث مرور مروع يخلف خمسة قتلى وعشرة جرحى.. إنفجار قارورة غاز.. مصائب نعزي أصحابها ونسأل الله لهم الصبر والثواب!.. كلب هائج يهاجم الصبيان والشبان.. إنفلات في حفلة راقصة.. حريق بعمارة أو فندق أو مركب.. كلها حوادث وقعت في الماضي، وتتكرر في الحاضر والمستقبل.. ولكن.. لماذا يحرص البعض على تصوير أدق تفاصيلها لينقلها للعالمين على المواقع والشبكات؟ لماذا صار أول رد فعل لدينا عند اتفاقنا مع هذه الحوادث والمصائب والوقائع هو تشغيل كاميرات هواتفنا وفتح الشبكات للنقل المباشر؟ هل صار التصوير أول خطوات الإسعاف والمساعدة والتكفل بالمصابين والمذهولين؟
لماذا نصر على تصوير الجرحى والهاربين وفيهم عورات النساء وانكسارات الرجال وارتجافات الأطفال التي قد تَصِمُهُم طول حياتهم، وتُرسِّخُ لهم صورا لا يقبلونها ولا يرضونها؟ لماذا صارت نرجسيتنا وحبنا للسَّبقِ طاغيا حتى على احترامنا للآخر وكرامته وعرضه وشرفه؟
لقد أصبحت التكنولوجيا أكبر نقمة في أيدينا نحن المتخلفون فلم نرعَ لها حرمة أو مكانة.. والجميل الأجمل.. أننا بعد أن نكشف عورات الناس وأعراضهم، نهرع إلى المسجد بعد أن ينطق هاتفنا بالأذان، فنحن مؤمنون! نُحَمِّل الهاتف بالأذان والقرآن والمواعظ؟!
 نتصدر المجالس بين الناس باللسان والتذكير.. ونهتك أستارهم بالهواتف والتصوير!