فتوى وفتوى

تعوّد أحد معارفي على قصدي للاستفسار عن بعض الإشكالات الفقهية بين الحين والآخر.. وبين الإجابة والإحالة تنوّعت ردودي على مرّ الزّمن.. وكم كانت دهشتي حين لاحظته يسأل عن تفاصيل تنمّ عن شغفه وحرصه على الحلال والحرام، أسئلة في الفضائل والمندوبات وعن المكروهات وحتى خلاف الأولى.. وليست الدّهشة هنا، إنّما الدّهشة عندما رأيته يقع في أفعال فيها بعض الحرام البيّن، وبعد السّؤال عنها، يخبرني أنّه أفتى لنفسه لأنّ الأمر بيّن، ولا يحتاج للسّؤال..
من هنا يتذكّر كل واحد منّا أناسا يتتبّعون التّفاصيل والدّقائق في السّنن والفضائل بالسّنتيمتر والميليمتر، ويتوّرعون عن أفعال هي من الخلافيّات ومن واسع الشّرع قبل الاستفتاء وطلب المشورة والنّصح!.. أمّا عندما يتعلّق الأمر بهوى في النّفس، وشهوة كامنة، فإنّ الأمر يصبح جليّا واضحا لا يحتاج إلى استفتاء ولا استقصاء، ولو كان فيه قطع أرحام أو إثارة عصبيّة أو إيذاء مؤمن..
جميل أن نتورّع في الفضائل، لكنّ التورّع في الفضيلة لا يغني عن فعل الحرام ولا من ترك الواجب شيئا..
نسأل الله الهداية والعافية للجميع..

الثقافة المعلّبة

كما أنّ الأكل المُعَلَّبَ غير صحّيّ وغير نافع ولا تتحقّق منه التّغذية السّليمة وهو مصدر الأمراض والعلل الكثيرة.. فإن الثّقافة المعلّبة أيضا غير صحّيّة وغير نافعة ولا تتحقّق منها التّغذية الفكرية السّليمة وهي مصدر الأمراض والعلل العقلية والنّفسية والفكرية..
فالثّقافة المعلّبة الجاهزة مليئة كما هو الأكل المعلّب بالموادّ الحافظة المُسرطنة التّي تجعل المنتج في ظاهره يدوم ويدوم ويدوم وهو في باطنه سمّ يتفاعل يوما بعد يوم لتخريب المادّة المغذّية القليلة النّافعة فيه.. وهي مليئة بالنّكهات الإصطناعية التي تحسبها غذاءا طبيعيّا كاملا وهي محفّزات مخبرية تجعلك تعتقد أن المادّة علميّة ونافعة وصحيحة، وهي زيف وزور وبهتان.. وهي مليئة بالملوّنات التي تنجذب إليها وترتاح لها العين والنّفس وهي في الحقيقة مكياج لمادّة لا لون ولا ريح ولا طعم لها بل هي مسخ وعدم وهراء..
كم تُسَوِّقُ لنا الأنترنيت ووسائل التّواصل من أفكار ومعلومات معلّبة نستهلكها ونعيد نشرها ونؤمن بها حتى صارت من المسلّمات وهي في حقيقة الأمر جراثيم وفيروسات تنخر عقولنا وأنفسنا وتزيد على جهلنا البسيط جهلا مركّبا هو أشنع وأفظع..