رمضان والضحك

يتسابق الإعلام لإنتاج وبثّ المسلسلات الفكاهية وبرامج المقالب في رمضان من كل عام.. وصارت بعض المسلسلات الفكاهية وبعض برامج الكاميرا الخفية مرتبطة برمضان.. وكأنّنا في رمضان نحتاج لجرعة زائدة من المزاح والضحك والتهريج..!؟
رمضان شهر للعبادة والمضاعفة أجر الفرائض والنوافل.. أما مواصلة السيرك الذي نعيشه طوال العام في ضحك وقهقهة فلم نعرفه في رمضان إلاّ زمن الانحطاط والتّكركر..
وأيّ ضحك وأيّ تسلية.. لكنّي بنا وقد استنفذنا الجرعة الطبيعية للمزاح واللهو، ورحنا نبحث عن جرعات زائدة وغير طبيعيّة.. كالمدمن الذي طال إدمانه فأصبح المخدّر لا يجدي معه نفعا.. فراح يزيد الجرعات ويخلط السموم حتى توفّاه الله وهو على المعصية!!!
لقد صارت محاولات الإعلام الفاسد لإضحاكنا يائسة لدرجة الخوض في أعراض النّاس.. واستغلال ضعفهم ولحظات خوفهم ورعبهم.. وتعمّد استفزازهم لقول القبيح من القول والتّظاهر بحذفه واستبداله بالطّنين والأزيز والصّفير.. وحتّى الدّفع لبعض المشاهير لمحاكاة الغضب والرّعب وسب الدّين وابتذال المُشاهد بإلقاء الكلمات النّابية الخادشة لكل ذوق واحترام..
ويسمّون كلّ ذلك فنّا وتمثيلا.. ونحن نزيد في ذلك برفع نسبة المشاهدة والمتابعة..
فبين مزاح وسخرية.. وبين أكل وشرب.. وبين فسق وعري.. نعبد الله في رمضان.. شهرُ الكفِّ عن المباح والصّبر وترويض النفس.. كل عام وأنتم بخير..

وما دخلي بزواجهم ؟؟

لا أستطيع وصف كمّ الغمّ والهمّ الذي امتلأت به وأنا أرى قنوات عربية لبلاد تتغنّى بالإسلام وهي تبثّ على المباشر حفل زفاف لأمير بريطاني على غانية أمريكيّة وهي تنقل كل تفاصيله من قصّات شعور المعازيم إلى مقاسات تنانير السّاقطات اللّواتي حضرن هذا الحفل الذي قدمت له المذيعات بأنّه أبهج حفل مرّ بنا منذ عقود.. وأنّه أكبر حدث في تاريخ البشريّة في هذا القرن..!؟ وأصابني الغثيان والإسهال وأنا استمع إلى عبارات الثّناء والإعجاب لزوج من الفسّاق يعقد قرانه في كنيسة كانت بالأمس القريب تحرض على ذبح المسلمين واغتصاب نسائهم..!!!
أيّ وقاحة بلغناها.. بالأمس كنّا نحاربهم.. وندعوا عليهم بالثّبور.. ونقاتلهم لنخرجهم من أرضنا.. واليوم نجلس أمام التلفاز لساعات لنشهد طقوسهم ونستمتع بزيجاتهم ونتناقل أخبارهم.. إنّها العبودية والذّلّ والهوان الذي لا يليه شيئ إلا دخول جهنّم!!!
أطفال غزّة يموتون جوعا ومرضا وقهرا.. ونساؤها يدافعون عن رجال الأمة.. ورجالها بين شهيد وأسير.. ولا ذكر لهم.. وإن كان فلدقائق معدودة في خضمّ أخبار الهند وبلاد السّند..
أما زفاف العهر وأخبار الدنس فنقلها بالمباشر للسّاعات وتحت وهج الشّمس..! وفي رمضان..!!!
كل عام ونحن أمة الذل والهوان والاستعباد..

الشاميّة

الشاميّة جزء من الثّالوث الحلوانيّ الرمضانيّ للجزائريّين بالإضافة إلى الزّلابيّة وأصابع القاضي.. وإن كانت في السّنوات الأخيرة مُزَاحَمَةً من حلوياّت أخرى كالقطايف والكنافة والبقلاوة التي لم نعرفها في رمضاناتنا ربّما لأسباب اقتصادية تاريخية..
ولنا نحن الجزائريّون إضافات لهذه الأيقونة لنجعل رمضاننا أكثر تشويقا وإجلالا.. فجارنا عبد القادر يقطع الطريق السيّار ليشتري شاميّة بوعلام لأنّها الأحلى في رمضان.. أما جارنا بْلَاحَة فلا يشتري إلا شاميّة الهوّاري لأنّها رمز لرمضان في المدينة على حسب تعبيره!؟.. والأجمل من كل هذا أنّه لا بوعلام ولا الهوّاري يصنعون شاميّتهم.. بل تُوَزِّعُهَا عليهم سيّارة تجاريّة قديمة مُهترئة كلّ صباح والله أعلم في أيّ مُستودع نتن تُحَضَّرٌ هذه الشاميّة وفي أيّ ظروف!؟ خاصّة إذا علمنا أنّ بوعلام يعمل حلاّقا باقي أيام السّنة!.. والهوّاري يبيع المُطَهِّرَات ومواّد التّنظيف..؟!
ولا يخلو الحال من حلوانيِّين يبيعون هذه الشاميّة طيلة أيّام السّنة.. ويصنعونها بأيدييهم وأمام أعين زبائنهم.. ويضيفون عليها لمساتهم كطليها بالشّوكولاطة أو جوز الهند أو حشوها باللّوز.. وهم قلّة ولهم زبائنهم.. أما باقي الباعة في رمضان فهم ميكانيكيون أو خبازون أو خياطون كَسدَت تجارتهم في هذا الشّهر فخلطوا السّميد والسّكر وصاروا حلوانيّين.. صح فطوركم.

المُسَلِّيَّاتُ في أيام رمضان


لم أفهم يوما عشق بعض النّاس للفوضى والزّحام!؟ الطّوابير لا تنتهي من أمام محلّات بيع الزّلابيّة والشاميّة والمخابز طول اليوم.. السيّارات متوقّفة في الصفّ الثّاني والثّالث أمام هذه المحلات، بالرّغم من وجود المكان المتاح الذي لا يعرقل حركة ولا يزعج أحدا!!.. حركة السّير متوقّفة تماما.. والكلّ مبتهج مسرور.. هل هي المُسَلِّيَّاتُ في أيام رمضان..؟!
والغريب في الأمر هذا التواطؤ العجيب على إبطاء الحركة وخلق التّجمعات والزّحام من الجميع.. فالزّبون في المحل الفارغ تراه لا يشتري.. بل يتجاذب أطراف الحديث مع البائع عن أحوال البلد وأحوال العراق وسوريا وفلسطين وليبيا والصومال وكل بلاد العالم.. ثم ينضم الثّاني فالثّالث فالرّابع.. ولا يحلو البيع واقتناء السّلعة إلاّ عند امتلاء المحلّ وتكاثر النّاس وارتفاع أصواتهم بالشّكوى والصّياح والعِيَاطِ على بعضهم البعض.. لأّنهم صاروا بقدرة القادر على عَجَل ولهم مشاغل وحاجات يقضونها.. وهُمُ هُمُ الّذين كانوا يُلُوكُونَ الهَوَاءَ والمحلّ فارغ..
وعند مغادرتهم المحلّ لا يحلوا لهم السّير وعبور الشّوارع إلا وقد امتلأت بالسيّارات لمُزَاحَمَتِهَا والتَّبَلِّي على سائقيها وشِرَاءِ الحديث معهم أو بَيعِهِ وافتعال الشِّجَار والعِرَاك.. أما والشّوارع خالية.. فالبحث عن ظلال الجدران ابتعادا عن حرّ الشّمس لأن الصّيام أتعبهم!؟
عجيب هذا النّوع من النّاس الذي يطفح في شهر رمضان.. وتزيد أعراضه.. وإن كان لا ينقرض باقي أيام السنة..

هلال الشهر

ككل عام، يهلّ علينا الشّهر الفضيل ببركاته ونسماته الإيمانية العطرة الفوّاحة.. شهر ينتظره الكلّ وقد تلبَّسُوا بكل أسباب القبول والاستعداد للقيام والصّيام..
على حيِّنا يتهافت كلّ أهل المدينة للتّزوّد بأكياس البطاطا والبصل والثوم والجلبان وأنصاف الخرفان والدَّوّّارَات.. يغلقون علينا منافذ الحيّ كله في منظر مهيب!.. منهم من يتسوّق وهو في سيّارته، يسأل عن الأثمان ويُسَاوِم البائع ثم ينزل ليشتري ويملأ سيّارته وهو في منتصف الطّريق وخلفه زحمة سير كأنّها ليوم القيامة!؟ ولا يجوز لك الاعتراض.. فنحن على أبواب الشّهر الفضيل..
وعند البَّقَّالين، يَتَخَاطَفُ النَّاس كل ما على الرّفوف من دقيق وسميد وعجائن وعصائر وكأنّ أوَّلَ يوم من رمضان هو يوم الفناء الكبير.. وترى النّاس في هذا يسارعون ويركضون في نسق واحد وعلى قلب رجل واحد.. إنّها الوحدة التي تميّزنا والتّضامن الفطري لدى أبناء شعبنا..
أسابق نفسي كي أعود إلى البيت لعلِّيَّ أرتاح من الجري الّذي يفرض عليك في الشّوارع فرضا.. أفتح التّلفاز فأرى القنوات قد أقامت النّدوات والمؤتمرات للتعريف بمنتجاتها للشّهر الفضيل.. نعم يا سيدي! منتجات الإعلام للشّهر الفضيل.. فلا بد من مرافقة الناس في هذا الشّهر كي لا تحيد عن روحانيّة العبادة والفضيلة!.. ولك أن تتخيّل كمّية العري والفسق والابتذال في هذه المنتجات.. وفوق هذا الإسفاف برامج المقالب السّخيفة التي تستغّل عفوية النّاس وتسخر من سذاجتهم..
هذا هو رمضاننا.. بين بطن وفرج وسرير..
تذكّرت شهداء غزة ومشاريع الشّهداء فيها.. للتّسوق هناك معنى آخر.. وللإعلام عندهم هدف آخر.. ولرمضان طعم آخر..
جاء رمضان وأوًّلُ أيّامه غيث ومطر.. مطر لم ينقطع من ليلة البارحة.. ترى؟ هل يكفي لغسل العار وتطهير البلاد منّا؟
كلّ عام ورمضان شاهد علينا..

الشهادة والتعليم والمعرفة

استوقفني اليوم على أمواج الإذاعة الوطنية حديث مع مهندس في الإعلام الآلي وهو يتحدّث عن البرمجة، وكيف أنّه يقدّم دروسا للشّباب عن البرمجة لصناعة التّطبيقات وكيف أن هذه المهنة مربحة خارج الوطن، وفهمت أنها خارج الاهتمام داخل الوطن...
وتذكّرت يوما رأيت فيه إعلانا عن تعلّم لغات البرمجة (بالمقابل المالي طبعا) مُعلَّقا في أروقة قسم الإعلام الآلي (أي قسم تعليم البرمجيات!) في جامعة من أكبر جامعاتنا...
وتذكّرت أيضا مئات الإعلانات في كليّة الطّب عن تعلّم طريقة العلاج هته أو تلك.. وكليّة الهندسة عن استعمال أداة الرّسم هته أو تلك.. وكليّة علم النّفس وكليّة علوم الأرض وكليّة الكيمياء والفيزياء وباقي كليّاتنا التي مَنُوطٌ بها تعليم كلّ هذا.. لكنّ الطّالب وحتّى المتّخصّص الحاصل على شهادة من هذه الكليّات يلتحق بهذه الدورات وينفق الأموال في دروس يقدّمها أحيانا أناس ليسوا جامعيين أصلا!؟
وهنا نلمس مفارقة غريبة أركانها الشّهادة والتّعليم والمعرفة!
فالطّالب في الجامعة يبحث عن الشهادة غير مبال بمعرفة كانت أم لم تكن، ففي سبيل هذه الشّهادة قد يسلك طريق التعليم بشِقَّيه المقرّر والذّاتي (وهو مذهب أهل النية والطيبة، وهم قليل!) وقد يسلك طريق الغشّ أو المقايضة أو القفز أو الزّحلقة أو الطّيران أحيانا (وهو مذهب الشّطار، وما أكثرهم!) وكلّ هذا بتواطؤ من الأستاذ الذي وجد راحته وسكينته بتكرار مقرّرات من زمن ألف ليلة وليلة يمثّل بها دور المدرّس ليبرّر راتبه الذي يتقاضاه آخر الشّهر..
وبعد الحصول على الشّهادة.. يجد الطّالب نفسه أمام جهل مذقع وظلمات بعضها فوق بعض.. فيبحث عن المعرفة بعد الشّهادة التي ينبغي أن تكون مُتوِّجة للمعرفة لا قبلها.. فيسلك طريقا آخر لا يخلوا من القفز والزحلقة والطيران.. عن طريق أشباه المعلّمين في أشباه الدّورات التي تجعل منهم أشباه خبراء يلوكون المصطلحات ويتشدّقون بفتات المعرفة التّي تخدع السّاذج وتستحمر الزّبون وتبقي على جهل الجاهل..
وبين الشّهادات على معرفة معدومة.. والمعرفة السطحية بكلمات لا معنى لها.. ضاع التعليم وانصرف عنه الطالب والأستاذ..