عندما تتسخ العقول

تتكرّر أمامي هذه الأيّام سلوكات أعلم أنّها منتشرة.. ورأيتها من قبل.. وتحدّثنا عنها كثيرا.. لكنّي أحببت أن أجدّد الحديث عنها لأنّي لا أرى سواها.. ومن كلّ الأعمار.. شيبا وشبابا..
لقد رأيت أناسا يرمون القمامات من سياراتهم.. البارحة رأيت أمامي يدا -أحسبها لإنسان!- تخرج من نافذة السّيارة وتقذف بقارورة بلاستيكيّة على قارعة الطّريق، لتنتهي القارورة في حقل للأشجار.. ورأيت قبل يومين رجلا مسنّا أبيض الشّعر وهو ينظّف شاحنته ويرمي المناديل وأعقاب السجائر وفتات المكسّرات وكأنها مخلّفات قرود ويرمي كلّ هذا من نافذة شاحنته إلى وسط الطريق لا قارعته.. واليوم رأيت من يرمي من نافذة سيّارته كيس قمامة بأكمله!.. كيس أزرق ملفوف ومقفل يظهر من خلاله قشور البرتقال وعلب السّجائر.. لقد تكبّد الكائن السّائق عناء جمع القمامة ووضعها في كيس وإقفال الكيس.. ثم رمى بها من نافذة سيارته وهو يسير بـ80 كلم/الساعة لينفتق الكيس على الطّريق وتتبعثر القمامة التي جمعها..
النّاس مجانين وعقلاء.. فالمجنون لا حساب ولا عتاب عليه، والعاقل محكوم بعقله في أفعاله وتصرفاته.. أمّا هؤلاء القوم فلا أجد لهم تصنيفا لا في هؤلاء ولا في هؤلاء.. فلا هم مجانين لهم عذرهم.. ولا هم عقلاء يفكّرون وينطقون.. إنّ لهم عقولا متّسخة قذرة نتنة.. تجعل أفعالهم نجسة ولو غسلتهم بأمطار الأرض كلّها ما نظفوا ولا زالت ريحهم..

الدخول العثماني إلى الجزائر ودور الإخوة بربروس 1512-1543

في هذا الكتاب لصاحبه محمد دراج، نجد مادة دسمة لفترة مهمة من تاريخ الجزائر الحديث. هي فترة فاصلة بين الدولة بمفهومها القديم وبين بواكير الدولة الحديثة القائمة على الولاء للشخصية المعنوية الجامعة للقيم والتاريخ والمصير.
في هذه الحقبة المفصلية أيضا، تحولات مجتمعية هامة، تكرس مرحلة الخروج من الحضارة لعالمنا الإسلامي، ودخولنا مرحلة الركود والجمود. ففي الوقت الذي يتقدم فيه الغرب المسيحي بنهم إلى بناء الدولة والولاء والعمل على تحصيل الرتب العليا في الصناعة والعلوم، تتقوقع القبائل والمدن عندنا على المصالح الذاتية الآنية في جو مهيب من الحسد لتحطيم الأخ من أجل الظهور ولو تحت أقدام الأعداء.
من هنا كانت معجزة الدخول العثماني إلى الجزائر وبداية تكوين نواة هذا الكيان برغم قبلية وذاتية مقيتة ومتجذرة.
في هذا الكتاب نجد بعض القراءات بين السطور للعوامل التي جعلت الجزائر قوة إقليمية لقرون في ظل الدولة العثمانية، وللعوامل التي جعلت منها لقمة سائغة للاستدمار الفرنسي فيما بعد.
فقوة الدولة العثمانية وتصدي الإخوة بربروس للغرب المسيحي جعل الجزائريين يلتفون حولهم وينبذوا أصحاب النفوذ والمصالح من بينهم، لتتحول الجزائر إلى دار الجهاد في غرب المتوسط.. وما إن تلاشى هذا الهدف بضعف الدولة العثمانية ودخولها إلى مصاف الدول البروتوكولية القمعية فيما بعد، حتى تحول ولاء الجزائريين إلى القبيلة والشيخ كما كان عليه.. لينتهي الأمر بالمستدمر بينهم يأكل القبيلة بعد الأخرى والشيخ بعد الآخر.

لكي سيدي؟!

عندما كنت صغيرا، كنت أكره برامج المرأة وأراها مضيعة للوقت، وكم تمنّيت لو برمجوا عوضا عنها رسوما متحرّكة أو حتّى أفلاما.. وعندما كبرت، تَقَبَّلت الواقع، وأن للنّساء نصيب من الإعلام لشؤون جمالهم وحلاقتهم وموضتهم..
لكنّ الظّاهر أنّ تنازلي أغرى الإعلام وجعله يغيظني ويستفزّني بما هو أنكى!.. لقد وَقعَت عيني -وليتها ما وقعت- وأنا أقوم بجولتي المسائية على قنواتنا الوطنية على حصّة لم أشهد لها مثيلا قبل اليوم! ولو أنّ أحدهم حدّثني بها لاتّهمته في مروءته ودينه وعرضه! لقد كانت الحصّة حواريّة  استضاف فيها المقدّم ضيفين، أحدهما ملِك جمال! أي والله.. ليس ملِكة جمال بل ملك جمال!.. وراح يحدّثنا عن الجمال وكيف أنّه يمضي وقته في الاعتناء بنعومة بشرته وصفاء وجهه وذلك بالأقنعة والمراهم..!؟ والآخر حلّاق، لكنّه ليس حلّاقا عاديا، بل حلّاق وخبير تجميل للرّجال، يحضّرهم ليكونوا ناعمي الملمس عندما يتقدّمون لخطبة نسائهم من أهليهم -والعهدة على الحلاق فيما قال-!؟!؟
وممّا زاد في إعجابي بهذه الوصلة الهزلية في مجتمعنا الضّائع التّائه، سؤال المقدم لملِك الجمال عن مشاريعه المستقبليّة.. وكأنّه حاز شهادة جامعيّة أو مؤهّلا مهنيّا أوإجازة علميّة.. ولماذا بربّك يصلح ملِك الجمال؟ إلاّ إفساد البلاد والعباد، وإعلاء مشاريع العهر والرّذيلة وتشريع التّخنث والميوعة عند الشباب..
لك الله يا أمة حفرت قبرها وراحت ترقص فيه ورصاص عدوّها يخترقها من كل صوب..

من نواميس النفس البشرية.. لا تقترب من الفشل فتفشل

بعد أن ندرك أن للنّفس اندفاع قويّ إما للخير وإما للشّر، وجب علينا أن نوجّهها لما نراه نجاحا وخيرا.. والأمر هنا يختلف من شخص لآخر بحسب طبيعته وظروفه وخلفياته ومحيطه.. وكلّ ذلك منوط بالفرد نفسه، عليه أن يجتهد ليعرف مواطن ضعفه وقوته ومداخل نفسه وشهوته.. ولا يتأتّى ذلك إلا بالتّأمل في الأفعال ومراقبة النّفس وتحليل التّجارب والمواقف..
فمن لمس من نفسه عادة سيّئة مثلا، وأراد الإقلاع عنها، فلينظر في نفسه ولينظر حوله كلّما أقدم عليها أو اشتاقت نفسه إليها، ليحدّد المحفّزات التي تدفعه إليها والطّريق الذي يوصله إليها، لأنّه لا سبيل للإقلاع عنها إلّا بتغير الطّريق المؤدّي إليها.. فإن كانت الوحدة مقدّمة لهذه العادة ليلزم الصّحبة والأهل، وإن كان القلق يؤدّي به دائما لهد العادة فليعمل على احتواء هذا القلق والابتعاد عن أسبابه، وإن كان هناك صاحب أو صديق هو من يدفعه لهذه العادة كلما التقى به فليواجه ضعفه ويحاول إصلاح هذا الصّاحب أو ليقطع علاقته به! وإن كان الفراغ ملازما لهذه العادة فليملأ وقته قبل أن يفرغ بالتخطيط واستباق الفراغ قبل أن يحصل، وإن كان محيطه مستفزا ويدفعه للسيئ فليهاجر أو ليرحل!..
وليعلم أن العادة سيئة كانت أم حسنة هي نتاج تكرار وتكرّر أسباب، فمن أراد العادة الحسنة فليهيء لها أسبابها، ومن أراد قطع العادة السيئة فليقطع عنها أسبابها.

         طالع أيضا..         

من نواميس النفس.. الاقتراب من النار مدعاة للاحتراق

لقد حرم الله تعالى الاقتراب من الزّنا، كما حرّم الاقتراب من الفواحش كلّها، وأخبرنا الرّسول صلّى الله عليه وسلّم أنّ الخوض في الحِمى نتيجة لمن حام حوله.. ذلك أن النّفس البشريّة طمّاعة بطبعها توّاقة للأكثر ومجبولة على الفضول.. ومتى مَشينَا عشر خطوات في اتجاه معين، تمنّينا الخطوة الحادية عشر، ومتى شربنا شربة من العسل تمنّينا الشّربة الثّانية..
لذلك فإن السّبب الرئيس للفشل هو السير في طريقه!.. قد تبدو هذه المقدّمة سخيفة، لكنّنا نسير عليها في غالب أفعالنا.. فنحن نعلم أن الرّسوب فشل، لكنّنا نسهر على الأفلام والمسلسلات، ونستمع للموسيقى والأستاذ يحاضر، ونمتنع عن تدوين الدّرس والملاحظات، ونُبرمج الخرجات والسّهرات أيّاما قبل الامتحانات.. ونقول بعد كل هذا.. نريد أن ننجح؟!
وبمفهوم المخالفة، السّبب الرئيس للنّجاح هو السير على طريق النّجاح.. لكنّنا في حياتنا لا نأبه بهذا.. يستثقل التّاجر القيام باكرا، ويتأفّف على الزّبائن، ويرمي السّلعة ولا يُنقِص من ثمنتها، ثمّ يقول: أريد أن أنجح؟!
إن هذه الأمثلة وإن كانت حسّية، لكنّها تنسحب على كل السّلوكات والطّبائع النّفسية، فلكل آفة نفسيّة مقدّمات ومحفّزات، ولكلّ فضيلة نفسيّة مقدّمات ومحفّزات كذلك.. ولا يتحقق النّجاح في تحصيل فضيلة أو دفع رذيلة إلا بالاقتراب رويدا رويدا من الأولى والفرار من الثّانية.

         طالع أيضا..         

نواميس النفس البشرية.. خفاء الارتباط

من أسباب إعراضنا عن نواميس النّفس خفاء ارتباطها، وخفاء مظاهرها ونتائجها.. ولنضرب على ذلك مثالا: عندما يرمي أحدهم نفسه من مكان شاهق، فتنكسر رقبته ويموت! يدرك الجميع أنّه خرق قانونا من قوانين الكون، ويدرك أنّ هذا الموت هو نتيجة حتميّة للتّردي من الأعلى، ويستوي في ذلك عالم الفيزياء والأمّيّ الذي لا يقرأ ولا يكتب.. ولكنّ القلّة القليلة من النّاس من يمكنه الخوض في الأسباب التي دفعت هذا الشخص لأن يرمي بنفسه، وما الذي جعل إنسانا عاقلا يصل لهذا الفعل الشّنيع,,
ولإن كان علم النّفس قد خاض في هذه الأمور، ودقّق في أسرار النّفس البشرية، إلاّ أنّ تصدّي الملاحدة وأعداء الدّين لها العلم النّفيس جعل ملاحظاتهم ونتائجهم تدور حول تدوين الظّواهر وتقنين السّلوكات البشرية دون التّفريق بين السّوي منها وغيره، حتى وصل بهم المطاف إلى تدوين المثلية والشّذوذ الجنسيّ على أنّه سلوك طبيعيّ؟!
ولسنا هنا بصدد الخوض في علم النّفس أو المزايدة عليه، إنّما نريد أن نستشفّ منه بعض الملاحظات التّي تفيدنا في تقويم سلوكنا والسير في طريق النّجاح وتقويم إخفاقاتنا واعوجاجاتنا.

         طالع أيضا..         

العيش المشترك.. (2)

لقد أظهر العيد على بركته وقدسيته مساوئ مجتمعنا وعيوبه من حيث العيش المشترك واحترام الآخر. لقد أضحينا في زمن لا يهتم الواحد منّا إلا بنظافة منزله من الداخل، أما خارج بيته، فلا يأبه إن جرّ الأدران والأوساخ إلى جيرانه وكلّ من يعيش معه في الحي..
عندما نتصرّف كأفراد لا يربطنا إلا رمز الوطن وشعار الدولة وحبر القانون: نذبح أضاحينا ونريق الدّماء على البلاط حتى يتعفن أمام منازلنا.. نرمي بجلد خروفنا عند باب جارنا في العراء دون كيس أو مُطهّر أو ملح.. ندفع الأوساخ وبعر الخروف بالماء والمكنسة ليجري عند باب جارنا لنتّهم الجار بعد ذلك في نظافته وطهارته.. نُخرج قماماتنا وفضلاتنا في أشباه أكياس ممزّقة فتنهشها الكلاب والقطط وتجري بها في الشّوارع تنقلها من زقاق إلا زقاق.. وعندما نريد أن نُخلّص أنفسنا من كلّ هذا، نحمل كلّ فضلاتنا في السيّارة ونرمي بها في أقرب نقطة فوضوية أمام عمارة سكنيّة أو في حيّ آخر لنبتليه بِبَلاوِينا!!!
هذا هو العيش المشترك لأمّة التّوحيد والإيمان والعبادة؟!